للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا للأسف تزييف للحقيقة والواقع، فالنقد لم يتوجه قط لمطالبات إصلاح حقيقية سواءً كانت في شأن المال العام أو مجال السياسة أو توسيع دوائر الرقابة أو غيرها، وإنما توجه دوماً إلى ذلك الاستفزاز الأحمق بالتهوين من المعارف الشرعية، والإزراء بعلوم السلف، والاستخفاف بدعاة السنة.

نحن نستطيع أن ندعي بطمأنينة أن "الصحوة" في الجملة ظلت وفيةً للشجعان في مجال "المناضلة السياسية" ما لم يتلوثوا باتخاذ جهادهم تكية للطعن المغلف في أصول السنة، وقواعد الدين.

بالله عليكم كيف يطالب الشرعيون بالسكوت عن جنايات هؤلاء، وهم يعلنونها بشكل متتابع، وبلغة استفزازية، وبأسلوب عدائي سافر، ربما يعجز عن بعضه أهل الريب.

مرةً يحدثوننا عن "السلفية العباسية" وأثرها السلبي في صياغة "المتون العقدية" لأهل السنة والجماعة.

ومرةً يهونون من شأن "الطحاوية" و"الواسطية" و"التدمرية" ويلمزون من يسعى في شرحها وتدريسها، بل ويحدثونك عن "مؤامرة" تحاك لإشغال شبابنا بمباحث "الأسماء والصفات" ومعارك "الجهم والجعد والمريسي" عن ساحات الإصلاح الحقيقية.

يطعنون -بجهلٍ عميقٍ- في مبحث "خلق القرآن" وأن ما جرى من جدل سني معتزلي لا يعدو أن يكون جدلاً بيزنطياً فارغاً في مسألةٍ غيبيةٍ اجتهاديةٍ، وأن قول أهل السنة فيها ليس إلا قولاً اجتهادياً جاء لتقرير مبدأ حرية الاجتهاد لا أن الأمر قطعي من القطعيات، فضلاً أن يكون مستنداً إلى شعار أهل السنة المعلن "ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

ثم يفترون علينا أننا نشغل الطلاب بمسألة خلق القرآن لمدة سنتين أو ثلاثة.

يفاخرون بانتسابهم "لإسلام ما قبل التقسيم"، وهل الطريقة السلفية إلا هذه؟! غير أنك إذا فتشت في حقيقة انتسابهم وجدتهم في الحقيقة يدعون لتقسيم الإسلام وتقطيعه، فهم يريدون توزيع الحق بين الطوائف والأحزاب، ويؤكدون على أنه غير محصور في أصول "أهل السنة والجماعة". فلا بأس علينا إذن إن استفدنا من "عقلانيات المعتزلة" وشيئاً من "أطروحات الإباضية".

بعضهم في زحمة حماسته لنيل حريته السياسية، يؤكد على ضرورة حرية التدين والاعتقاد والتعبير فإذا ما اعترضت بأحكام المرتد، أنكرها، وضعف أحاديثها وتعلق ولو بالقشة من أقوال أهل العلم، وقرَّر أن لا عقوبة إطلاقاً للمرتد في الفقه الإسلامي، وهذا خروج عن مذاهب المسلمين كافة بيقين.

يسخرون من مدافعة "الشرعيين" لسيل "الإفساد الليبرالي" ويعدون ذلك مجرد "صراع كرتوني سخيف" "ومعارك وهمٍ" لا تغني ولا تسمن من جوع، وكأن التصدي لسيل الإفساد هذا خارج عن نطاق الإصلاح.

يبدون تململاً وتضجراً من الانشغال بمشكلات طوائف المبتدعة صوفية وأشعرية ومعتزلية ورافضية، ويعدون هذا الانشغال حمقاً وسفهاً، وتبديداً للطاقات والجهود وتفريقاً للصف المسلم، ثم هم يدعون هذه الطوائف جميعاً، ويدعون معها المستبد، ليتفرغوا بعد ذلك لتوليف شتائمهم "الإصلاحية" الموجهة للشيطان الأكبر "السلفية"!

يجادلونك في مسائل الشريعة والسياسة فإذا ما جادلتهم بالأدلة الشرعية رفعوا في وجهك لافتة "قطعي الثبوت قطعي الدلالة" وكأن أحكام الشريعة لا تبنى إلا على القطعيات.

والقائمة تطول.

دعونا من هذا كله ولنقترب أكثر من مشروعهم الإصلاحي المستورد "الديمقراطية"، مستحضرين تلك اللغة المغرقة في التقديس والتبجيل وحجم التهليل والتصفيق الذي يبدونه وهم يسوقون لمشروع الإنقاذ هذا، حتى وضعوا منتقدي "النظام الديمقراطي" من الشرعيين في خانة "السخفاء والضعفاء والجهلة والملبس عليهم".

<<  <  ج: ص:  >  >>