للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أى: أن من انتصر لدينه وعرضه، بعد ظلم الظالم له، فأولئك الذين يفعلون ذلك، لا يؤاخذون من أحد، ولا يلامون من غيرهم، لأنهم باشروا حقهم الذي شرعه الله- تعالى- لهم، وهو مقابلة السيئة بمثلها.

ثم بين- سبحانه- على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.

أى: إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس، ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم في الأرض بغير الحق.

وقيد- سبحانه- البغي في الأرض بكونه بغير الحق، لبيان أنه لا يكون إلا كذلك، إذ معناه في اللغة تجاوز الحد. يقال: بغى الجرح، إذ تجاوز الحد في فساده، فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع، وللتنفير منه.

أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى: أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغي لهم عذاب أليم، بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى.

ثم ختم- سبحانه- هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

أى: وللإنسان الصابر على الأذى الذي يصفح عمن أساء إليه، الثواب الجزيل، والعاقبة الحسنة، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه، لمن الأمور التي تدل على علو الهمة، وقوة العزيمة..

هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد مدحت المؤمنين الصادقين بجملة من الصفات الحميدة، التي تعتبر على رأس الصفات الأساسية، لكل أمة تريد أن تنال الظفر والسعادة في دنياها وآخرتها.

وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة وعما أعده سبحانه لهم من ثواب، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب، وأمرهم- سبحانه- بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتى يوم الحساب، الذي لا ينفعهم فيه شفيع أو نصير، فقال- تعالى-:

[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٨]

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)

<<  <  ج: ص:  >  >>