للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ، وأيضا فإن قولك: فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة «١» .

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أى:

أن ما تنفقونه من خير- أيها المؤمنون ستعود عليكم ثماره ومنافعه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق تزكو أموالكم، وتحسن سيرتكم بين الناس، وأما في الآخرة فإنكم تنالون من خالقكم ورازقكم أجزل الثواب، وأفضل الدرجات.

وقوله: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أى لا تنقصون شيئا مما وعدكم الله به على نفقتكم في سبيله.

قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله- تعالى- وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وقوله:

وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهي قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ. وقوله: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير في إِلَيْكُمْ فالعامل فيها يُوَفَّ وهي تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من قوله: يُوَفَّ إِلَيْكُمْ لأنهم إذا وفوا حقوقهم لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة الله- تعالى- اندراجا أوليا» «٢» .

هذا، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التي وردت في الحض على بذل المال في وجوه الخير، فقد كرر فيها فعل تُنْفِقُونَ ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله، وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب، وجاءت كل جملة منها مستقلة ببعض الأحكام لكي يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال.

ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال في وجوه الخير، خص- سبحانه- بالذكر طائفة من المؤمنين هي أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها وسد حاجتهم.

استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا يستجيش المشاعر، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعففة فيقول: لِلْفُقَراءِ، الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ، لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً.


(١) تفسير الفخر الرازي ج ٧ ص ٨٣.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٢٥٥. بتصرف يسير.

<<  <  ج: ص:  >  >>