للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا

أى من أموال في وجوه الخير المختلفة، كمواساة البائسين، ودفع حاجة المحتاجين.

وا

موصولة، والعائد محذوف، والتقدير، مثل ما ينفقونه.

َثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ

أى كمثل ريح فيها برد شديد قاتل للنبات. وقيل: الصر. الحر الشديد، وقيل الصر: صوت لهيب النار التي تحرق الثمار.

وذكر- سبحانه- الصر على أنه في الريح، وأنها مشتملة عليه، وهي له ظرف وهو مظروف، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع، وإنما هي تحمل معها ما يهلكه.

وقوله: صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ

أى أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار.

والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث، وأصل كلمة حرث: فلح الأرض وإلقاء البذر فيها، ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع.

وفي التعبير بقوله: لَمُوا أَنْفُسَهُمْ

تذكير للسامعين، وبعث لهم على ترك الظلم، حتى لا يصابوا بمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة، وأضرار فادحة.

ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

أى أن الله- تعالى- ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه شيئا لأن الله تعالى، إنما يتقبل من المتقين.

والضمائر في هذه الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون أموالهم مقرونة بالوجوه المانعة من قبولها.

وفي هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ، فقد شبه- سبحانه- حال ما ينفقه الكفار في الدنيا- على سبيل القربة أو المفاخرة- شبه ذلك في ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه في الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة، بحال زرع لقوم ظالمين، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته، ولم ينتفع أصحابه منه بشيء، وهم أحوج ما يكونون إليه.

قال صاحب الانتصاف: أصل الكلام- والله أعلم- مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته.

ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة. وهي تقديم ما هو أهم لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث.

<<  <  ج: ص:  >  >>