للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حين أستحضر هذا المعنى فلا أستطيع إخفاء استغرابي الشديد حين أجد تلك المقابلة التي تضفي شرعية للباطل متى ما أعطيت تلك الشرعية للحق، فإذا أعطيت للحق حق الدعوة فيجب أن تقبل ذلك من الباطل، وإذا سمحت بفرض هيمنة الشريعة فاقبل من العلماني أن يفرض هيمنة العلمانية، إنه من المهم جداً الانطلاق بالإسلام باعتباره حقاً والتعاطي مع الأفكار المخالفة له على أساس أنها باطل لا تتمتع بالشرعية، وأنه لا تناقض إطلاقاً حين أفسح المجال للحق ليعمل في الواقع وأجهد في منع جيوب الباطل، وأخشى صادقاً أن يكون محل السجال القادم في حقوق الباطل في المجتمعات المسلمة.

(٤) آخر ما أحب إبداؤه من ملاحظات يتصل بحالة الخلط الشديد بين سؤالين شديدي التباين، حالة الخلط هذه أفرزت قدراً من الإشكال في معالجة فكرة سيادة الأمة وتطبيق الشريعة

السؤالان ببساطة شديدة هما:

- من يطبق الشريعة؟

- لماذا نطبق الشريعة؟

والوعي بالفارق بين السؤالين يحل مشكلة سؤال السيادة لمن؟

فالذي يطبق الشريعة -في الأصل- ويخرجها إلى حيز التنفيذ هم حملة النظام السياسي الإسلامي المنبثق عن الأمة.

أما لماذا تطبق الشريعة فلأن تطبيقها هو مراد الله تعالى.

فشرعية التطبيق ليست ناشئةً عن إرادة الأمة وإنما الشرعية مكتسبة من واضع هذه الشريعة وهو الله تعالى، وفرق عظيم بين هذا التصور وبين من يجعل شرعية التطبيق راجعاً إلى إرادة الناس، فرق بين من ينفذ أحكام الشريعة في الواقع لأنها حكم الله وبين من ينفذها لأنها حكم الصندوق.

فالأمة إذن هي من تحمل الشريعة، أما لماذا تحملها؟ فلتحقيق مراد الله تعالى الذي أمر بالالتزام والإلزام بها.

فإن قيل:

الشريعة لا تطبق نفسها بنفسها، وإنما تحتاج إلى إرادةٍ وأناسٍ يطبقونها، وبغير هذه الإرادة لا يمكن أن تتمثل الشريعة في الواقع.

فيقال:

نعم، وليس هذا محل الإشكال ولا مجال البحث، فإن جميع الأعمال البشرية والتكاليف الشرعية لا تتحقق وجوداً في الواقع إلا بإرادة الامتثال، فالصلاة مثلاً لن تحصل ما لم يرد المصلي إيقاعها ولكن هذا لا يعني أن شرعية تحقيق الصلاة في الواقع ناشئةٌ عن هذا الإرادة هذا أولاً، وثانياً .. ليت من يطرح هذا الاستشكال لمنع هيمنة الشريعة إلا بالاختيار الحر، يستحضر إشكاله عند فرض هيمنة الديمقراطية في الواقع، فهي الأخرى كرةٌ في ملعب النظام السياسي تفتقر إلى تحريك الإرادة لتتحقق في الواقع، وهي الأخرى ليست كائناً يمشي على قدمين بل هي تحتاج إلى جملةٍ من الضمانات لتصح الممارسة الديمقراطية، ليتم حماية الأقليات من دكتاتورية الأكثرية، ولتتحقق قيم العدالة والمساواة، فما ستقدمه من معالجات لضمان تطبيق نظام صحي ديمقراطي في واقع (ما قبل النظام الديمقراطي) فالتزمه عند إرادة فرض الشريعة في واقع (ما قبل الشريعة)، وإذا كنت ترى أن أي نظام سياسي يجب أن يكون محكوماً بقيم العدل والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص، وأن الدولة يجب أن تكون دولة حقوق ومؤسسات وأن لهذه المعاني هيمنة واجبةً لذاتها عندك، فليكن هذا مدخلاً لتصور إمكانية إقامة نظامٍ محكومٍ بالإطار الإسلامي تكون السيادة فيها للشريعة، خصوصاً ونحن نتحدث عن شعوب مسلمة لا يتصور أن يُطرح عليها سؤال الهوية الدينية، فما بالنا نصر على طرحه، ونلتزم في سبيله بتلك اللوازم الفاسدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>