للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَيْ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِالتَّحْرِيمِ (لَيْسَ نَسْخًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَفْعًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَالنَّسْخُ رَفْعٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا أَنَّ الثَّابِتَ إذْنٌ شَرْعِيٌّ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ حَتَّى يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَكُونَ رَفْعُهُ نَسْخًا قُلْت إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى الْقَائِلِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى جَوَابٍ غَيْرِ هَذَا وَلَعَلَّهُ أَنْ يُقَالَ وَحَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتِ الْإِخْبَارِ بِهَا فَالتَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ نَسْخًا؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]

(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَمُحَقَّقِي الشَّافِعِيَّةِ (وَأَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ) وَفِي الْقَوَاطِعِ وَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ وَلَعَلَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَلَوَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَوْلَى بِالْحَقِّ انْتَهَى. فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ كَمَا كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِفَرْضِهِ فَهُوَ الْمُزِيلُ الْمُثْبِتُ لِمَا شَاءَ مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَقَالَ وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْسَخُهَا إلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ غَيْرَ مَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا بِمَا يُخَالِفُهَا انْتَهَى. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَنَسَبَهُ السُّبْكِيُّ إلَى الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْقَلَانِسِيِّ وَهُمْ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا وَقِيلَ نَفْيُ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبِي الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ وَقِيلَ لَمْ يَمْنَعْ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ السُّبْكِيُّ وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا يُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ تُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتَشْهَدَ لِهَذَا بِقَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ هَلْ تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ قِيلَ لَهُ لَوْ نُسِخَتْ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ سُنَّةٌ تُبَيِّنُ بِأَنَّ سُنَّتَهُ مَنْسُوخَةٌ بِسُنَّتِهِ الْآخِرَةِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ الشَّيْءَ يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ اهـ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

(لَنَا لَا مَانِعَ) عَقْلِيَّ وَلَا شَرْعِيَّ مِنْ ذَلِكَ (وَوَقَعَ) أَيْضًا وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ (فَإِنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقُدْس) أَيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَنُسِخَ) التَّوَجُّهُ إلَيْهِ (بِهِ) أَيْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤] (وَكَذَا حُرْمَةُ الْمُبَاشَرَةِ) بَلْ الْمُفْطِرَاتُ الثَّلَاثَةُ بِالنَّوْمِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ (وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ) أَيْ كُلٍّ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ مَنْسُوخًا (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقُرْآنِ (مِنْ سُنَّةٍ أَوْ) تَجْوِيزِ كَوْنِ (الْأَصْلِ) أَيْ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ ثَابِتًا (بِتِلَاوَةٍ نُسِخَتْ وَذَلِكَ) أَيْ النَّاسِخُ السُّنِّيُّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَالْمَنْسُوخُ الْقُرْآنِيُّ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي (عَلَى الْمُوَافَقَةِ) أَيْ الْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِنَصِّ السُّنَّةِ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُوَافِقَ لِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ (احْتِمَالٌ بِلَا دَلِيلٍ) فَلَا يُسْمَعُ (ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاسِخٌ عُلِمَ تَأَخُّرُهُ) لِنَسْخِ مَا تَقَدَّمَهُ (مَا لَمْ يَقُلْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَذَا نَاسِخٌ) لِكَذَا أَوْ نَحْوِهِ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ تَعَيُّنِ الْمَعْلُومِ تَأَخُّرُهُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ مَا لَمْ يَقُلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ (خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَالُوا أَيْ الْمَانِعُونَ) أَوَّلًا قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] يَقْتَضِي أَنَّ شَأْنَهُ الْبَيَانُ لِلْأَحْكَامِ وَالنَّسْخُ رَفْعٌ لَا بَيَانٌ (أُجِيبُ) بِتَسْلِيمِ أَنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ بِبَيَانٍ بَلْ

(وَالنَّسْخُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ

<<  <  ج: ص:  >  >>