للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها.

ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الآخرة تأنيث الآخر.

وهذا اللفظ تارة يجيء وصفا ليوم القيامة مع ذكر الموصوف، كما في قوله- تعالى- «وللدار الآخرة خير للذين يتقون» وتارة بهذا المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف، كما في الآية التي معنا، وكما في قوله- تعالى- وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا.

وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الأولى.

ويُوقِنُونَ من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم حوله شبهة. يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته، ويقال: يقنت- بالكسر- يقنا، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت بمعنى واحد.

والمعنى: وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب هم يوقنون إيقانا قطعيا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة.

وفي إيراد «هم» قبل قوله «يوقنون» تعريض، بغيرهم، ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين.

ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، له أثر عظيم في فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، لأن من أدرك أن هناك يوما سيحاسب فيه على عمله، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذي يكسبه رضي الله يوم يلقاه.

قال أبو حيان: وذكر لفظة هُمْ في قوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولم يذكرها في قوله:

وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد ولأنه لو ذكر هم هناك لكان فيه قلق لفظي، إذ يكون التركيب «ومما رزقناهم هم ينفقون» «١» .

ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الثمار التي ترتبت على تقواهم فقال:

أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

المفلحون: من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية، وأصله من الفلح- بسكون اللام- وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث. وأستعمل منه الفلاح في الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت.


(١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص ٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>