للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[كيفية حشر الناس إلى أرض المحشر]

كيف يحشر الناس إلى هذه الأرض أرض المحشر؟ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا).

نار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى أرض المحشر.

وأرض المحشر قيل: هي فلسطين، هذه النار تسوق الناس تقيم معهم وتبيت معهم وتصبح معهم، تسوقهم إلى أرض المحشر.

عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!).

قال قتادة: بلى وعزة ربنا؛ وذلك قول الله عز وجل: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء:٩٧].

فالكافر يسير على وجهه، ويحشر على وجهه، ويعاني بوجهه ما على أرض المحشر.

ويقول عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم:٨٥ - ٨٦].

قال ابن عباس: (وفداً) أي: ركباناً.

أي: أن أهل التقوى لا يحشرون على أقدامهم؛ لأن العرب تطلق الوفد على الذين يأتون على الرواحل.

ويقول علي رضي الله عنه: لا يحشرون والله! على أقدامهم، ولكن على نوق رحالها الذهب، ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت.

قال عز وجل: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم:٨٦] أي: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش، ولكنهم لا يردون إلى ماء، بل إلى جهنم وحميمها ومهلها وجحيمها، كما ورد في حديث الشفاعة الطويل: (يقال لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: عطشنا، فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيقال لهم: ألا تردون؟) فسبحان الله وبحمد الله أكبر، كانوا في الدنيا على السواء يأكلون ويشربون، ويذهبون ويجيئون فلما جاءهم الموت عرف كل منهم سبيله، واتضح له مقيله، فلما صاروا في البرزخ خلا كل منهم بعمله، وأفضى إلى ما قدم قبل أجله، فبينما هم كذلك إذ صرخ فيهم الصارخ، وصاح فيهم الصائح، فخرجوا من الأجداث مسرعين، وإلى الداعي مهطعين، هذا على النجائب، وهذا على الركائب، وهذا على قدميه، وهذا على وجهه، هؤلاء في النور ينظرون، وأولئك في ظلمات لا يبصرون، هؤلاء حلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً، وأولئك غلتهم الزبانية بالسلاسل، وعلتهم بالمقامع، يضربون بطوناً منهم وظهوراً، هؤلاء عليهم حلل السندس والإستبرق وسائر الألوان، وأولئك مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران، هؤلاء يقول لهم ربهم: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:٢٤]، وأولئك يقول لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:١٠٨]، ويقول: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:١٦٧].

لقد ظهر الفرقان، وامتاز الفريقان، لقد صار الغيب شهادة، والمستور مكشوفاً، والمخبأ ظاهراً: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:٢٨]، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:٢١].

كم صائم في الدنيا عظم يومئذ جوعه! كم كاسٍ في الدنيا طال يومئذ عريه! كم شارب في الدنيا اشتد يومئذ ظمؤه! كم ناعم في الدنيا حق يومئذ بؤسه! {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص:٨٣ - ٨٤].