للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تعلُّق الْإِنْسَان بغير اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى بمثلِ هَذِهِ الأُمُور، وفيها أيضًا مَنعٌ للإِنْسَانِ عما يريده من الخيرِ، لكِن التفاؤل فِيهِ التشجيعُ عَلَى الخيرِ. لمّا جاء سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ" (١)، لكِن لَا بُدَّ أن يَكُون التفاؤل يتعلق بشيءٍ يتعلق به، وَأَمَّا مجرَّد أن يرى واحدًا فِي السوقِ اسمه يزيد أو اسمه صالح أو اسمه راشد، فلا، لَيْسَ هَذَا، لكِن الشَّيْء الَّذِي لي معَه معاملة فأنا قد أتفاءل، وسُهيل بن عمرو له معاملةٌ مَعَ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - فتفاءل، وهَذَا يَكُون من بابِ فتحِ الأُمُورِ باليسرِ.

فالحاصل: أن التفاؤلَ غيرُ التشاؤمِ، والفرق بينهما أن التشاؤمَ من فِعلك، والشؤم من فعل غَيْرِك، وهَذَا واضح أن الله جَلَّ وَعَلَا قد يجعل فِي هَذَا الشَّيْء خيرًا وبركةً للإِنْسَانِ، وَفِي هَذَا الشَّيْء شُؤمًا وبلاءً.

واعلمْ أن التشاؤم غير الشؤم، فإن الشؤم قد يَكُون فِي بعضِ الأَشْيَاء مثلما أخبر النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يَكُون فِي المَرْأَةِ وَيكُون فِي الدارِ وَيكُون فِي الدابّة، وهَذَا شَيْء مشاهَد، أن الْإِنْسَان قد ينزِل بعض الدُّور وَهُوَ لا يتشاءم لكِن يَكُون فيها شؤم، تكون دائمًا خرابًا مثلًا، ودائمًا تحتاج إِلَى أعمالٍ وتتعبه، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد، كذلك بعض السيارات - وإن كَانَ أغلب النَّاس لَيْسَ عندهم دوابّ - في بعض الأحيان الْإِنْسَان يشتري سيارة ويكدها وتتعبه كُلّ يوم يخرب مِنْهَا شَيْء ثُمَّ يبيعها ويشتري سيارةً ثانيةً ويرتاح لها، ومثلها أيضًا في بعض الأحيان يشتري الْإِنْسَان قلمًا - حتى فِي الأَشْيَاء الصغيرة - فيبدأ كُلّ يوم يتعبه؛ بَحِفّ المِدَاد، وتَجِد


(١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم (٢٥٨١)، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.

<<  <   >  >>