للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كلّ ذلك بقدرة ربانية، وأمرة برهانية، فأقمت الحدود، بالبينة والشهود، فى العرب والعبيد، والخاص والعام، والبادى والحاضر، بأحكام الله ﷿ وآدابه، وحقه وصوابه، فالولى آمن جذل، والعدو خائف وجل.

فأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفى عنى خبرك، ولا استتر دونى أثرك، وإنك منى لبمنظر ومسمع، كما قال الله جلّ وعزّ:

«إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى﴾ (١)»، «ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٢)».

فعرفنا على أى رأى أصلت، وأى طريق سلكت: أما كان لك بجدك أبى سعيد أسوة، وبعمل أبى طاهر قدوة؟

أما نظرت فى كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم وأشعارهم؟

أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟

ألم تعلم أنهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد وفعل حميد، يفيض إليهم موادنا، وينشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كلّ أمير ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحة منا واسما من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وخيف منهم الفساد والعناد، وأن يكونوا لبنى العباس أضداد، فعبئت الجيوش، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة، والعدد المهذبة، والعساكر الموكبة، فلم يلقهم جيش إلا كسروه (٣)، ولا رئيس إلا أسروه، ولا عسكر إلا كسروه، وألحاظنا ترمقهم، ونصرنا يلحقهم، كما قال الله جلّ وعزّ:

«إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٤)»، «وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥)»، وإن حزبنا لهم المنصورون.


(١) الآية ٤٦، السورة ٢٠ (طه).
(٢) الآية ٢٨، السورة ١٩ (مريم).
(٣) فى النسختين: «كروه».
(٤) الآية ٥١، السورة ٤٠ (غافر)
(٥) الآية ١٧٣، السورة ٣٧، (الصافات)