للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت … وجوده أعدم الشاكين للعدم

قد ملّكته العوالى رقّ مملكة … تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم

أرى مقاما عظيم الشأن أوهمنى … فى يقظتى أنها من جملة الحلم

يوم من العمر لم يخطر على أملى … ولا ترقّت إليه رغبة الهمم

ليت الكواكب تدنو لى فأنظمها … عقود مدح فما أرضى لكم كلمى

ترى الوزارة فيه وهى باذلة … عند الخلافة نصحا غير متّهم (١)

عواطف علّمتنا (٢) أنّ بينهما … قرابة من جميل الرّأى لا الرّحم

خليفة ووزير مدّ عدلهما … ظلاّ على مفرق الإسلام والأمم

زيادة النّيل نقص عند فيضهما … فما عسى يتعاطى منّة الدّيم

فكان الصّالح يستعيد أبياتها فى حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون يذهبون فى الاستحسان كلّ مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهّبة، ومنح له الصالح خمسمائة دينار، وأخرجت إليه السّيّدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين خمسمائة دينار أخرى؛ وحمل المال معه إلى منزله، وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة؛ وتهادته أمراء الدّولة إلى منازلهم للولائم.

واستحضره الصالح للمجالسة، ونظمه فى سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليه صلاته، وغمره ببرّه. وصار يحضر فى اللّيل عنده مع الشيخ الجليل أبى المعالى ابن الحباب (٣)، والشيخ الموفّق ابن الخلال، وأبى الفتح محمود بن قادوس (٤)، والمهذّب أبى محمّد الحسن بن


(١) فى الأصل: متهمى.
(٢) فى الروضتين: أعلمتنا.
(٣) عبد العزيز بن الحسين الأغلبى السعدى التميمى، كان متعاونا مع يوسف بن الخلال فى ديوان الإنشاء. ومن رائق شعره:
حيا بتفاحة مخضبة … من شفنى حبه وتيمنى
فقلت: ما إن رأيت مشبهها … فاحمر من خجلة، فكذبنى
خريدة القصر قسم شعراء مصر: ١٨٩:١ - ٢٠٠؛ فوات الوفيات: ٢٧٨:١.
(٤) أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن حميد الفهرى من كتاب الإنشاء، وكان يسمى ذا البلاغتين، توفى سنة ٥٥١. خريدة القصر قسم شعراء مصر: ٢٢٦:١ - ٢٣٤. ومن شعره ما قاله فى الرشيد بن الزبير، وكان أسود:
إن قلت من نار خلقت … وفقت كل الناس فهما
قلنا: صدقت. فما الذى … أطفاك حتى صرت فحما