للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما تمكن من أمورهم، ووثق بطاعتهم، وتبيّن مقدار عقولهم، أخذ فى تدريجهم، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية، فسلكوا معه فى ذلك حتى يقضى ما كان يأمرهم به فى مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة الأموال والفروج، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم - وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق تغنى [عن] كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب - يعنى إمامه الذى يدعو إليه، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - وأنه الإمام المهدى الذى يظهر فى آخر الزمان ويقيم الحق، وأن البيعة له، وأن الداعى إنما يأخذها على الناس له، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، وأنه حى لم يمت، وأنه يظهر فى آخر الزمان، وأنه مهدى الأمة.

فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجّة والإمام، وأنه المعول والمقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور، ولولا هذه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم، ظهر فى كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتلوا جماعة ممن خالفهم، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور؛ السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم - جزعا منهم -.

ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها، ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة - فى طسّوج الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات - قرية تعرف «بمهتماباد (١)»، فحاذوا (٢) إليها صخرا عظيما، ثم بنوا (٣) حولها سورا منيعا عرضه ثمانى أذرع، ومن ورائه خندق عظيم، وفرغوا من ذلك فى أسرع وقت، وبنوا فيها البناء العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسميت «دار الهجرة»، وذلك فى سنة سبع وتسعين ومائتين؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم، ولا بقى أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم فى البلاد.


(١) (ج): «بمهتماباز»، وما فى الاصل هو الصواب.
(٢) الأصل: «فجاروا»، وماهنا صيغة (ج).
(٣) (ج): «وبنوا».