للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند غيرهم أيضًا. فنجد الحكماء عندهم حكامًا يحكمون في الخصومات وفي المنازعات: بفضل ما أوتوا من فطنة وصبر وذكاء وعلم، وهي من أهم صفات الحكم. ونجد في أدب الشرق الأدنى القديم أشخاصًا مثل "أحيقار" الشهير، يجمعون بين الحكم والحكمة، وقد ضرب بهم المثل في نجاحهم في إصدار الأحكام.

والحكيم في الشرق بمنزلة الفيلسوف عند اليونان. وما "أرسطو" الفيلسوف اليوناني الشهير وكذلك أفلاطون، غير حكماء في نظر الشرقيين. ولذلك أدخلوا في "الحكماء". والحكيم هو مؤدب ومرشد وواعظ يعظ الناس ويرشدهم في هذه الحياة، وهو خير مستشار في كل شيء؛ لأنه بفضل ما يملكه من عقل ومن تجربة يستطيع أن يفصل بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ. ولذلك كان الحكماء هداة قومهم وأساتذتهم وفلاسفتهم، أقوالهم حكمة للناس ودرس في كيفية السير في العالم.

ولكننا لا نستطيع أن نرادف بين "الحكمة" وبين "الفلسفة". فبين الاثنين فرق كبير في المفهوم. ولا يمكن أن نقول: إن الفلسفة بالمعنى اليوناني، هي في مفهوم "الحكمة" عند شعوب الشرق الأدنى؛ لأن بين الفيلسوف وبين "الحكيم" تباين كبير في أسلوب البحث وفي كيفية التوصل إلى النتائج والمعرفة وفي مفهوم كل واحد منهما لهدف الآخر، وفي الغاية المقصودة من كل منهما. فالغاية من الحكمة العبرة والاتعاظ والأخذ بما جاء فيها من حكم، أي: غايات عملية وتأديبية، بينما الغاية من الفلسفة البحث عن معنى الحكمة وعما يكون وراء الطبيعة من خفايا غير مكتشفة وأسرار١.

وقد وردت لفظة "الحكمة" في القرآن الكريم٢. وقد ذكر العلماء أن الحكمة اسم للعقل، وإنما سُمي حكمة لأنه يمنع صاحبه من الجهل٣. فالحكمة إذن، هي بمعنى العلم والتفقه. وهي بذلك ذات حدود واسعة، بل لا نكاد نجد لها حدودًا معينة فاصلة، فقد شملت أمورًا كثيرة، أطلقت على رجال اشتهروا بالحكم بين الناس. أي: بالبت فيما ينشأ بينهم من شجار وخصومة. وأطلقت على أناس ذكر


١ Hastings, p. ٩٧٥.
٢ وردت في مواضع متعددة من القرآن الكريم، راجع المعجم المفهرس "ص٢١٣ وما بعدها".
٣ غريب القرآن، للسجستاني "ص١١٨"، "سنة ١٩٢٤".

<<  <  ج: ص:  >  >>