للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الهجرات السامية]

تقول كل النظريات التي رأيناها عن أصل الوطن السامي، بهجرات الساميين من ذلك الوطن الأم إلى أوطان أخرى في أزمان مختلفة متباينة، وذلك لأسباب عديدة منها: ضيق أرض الوطن من تحمل عدد كبير من الناس، وتزاحم الناس على الرزق، مما دعاهم إلى التحاسد والتباغض والتفتيش عن وطن جديد، وظهور تغيّرات في طبيعة ذلك الإقليم، إلى عوامل أخرى.

وقد تصوّر القائلون أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، بلاد العرب كخزَّان هائل يفيض في حِقَب متعاقبة، تبلغ الحُقبة منها زهاء ألف عام، بما يزيد على طاقته من البشر إلى الخارج، يقذف بهم موجات أطلقوا عليها "الموجات السامية"١.

وفي علّل القائلون بنظرية أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، سبب هذه الهجرات بعدم استطاعة جزيرة العرب قبول عدد كبير من السكان يزيد على طاقتها، فلا يبقى أمامهم غير سلوك طريق الهجرات إلى الأماكن الخِصْبَة في الشمال. وقد كانت الطرق الساحلية من أهم المسالك التي أوصلت المهاجرين إلى أهدافهم.

وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان تغيّر مستمر طرأ عليها، أدى إلى انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها مما أثّر على قشرتها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر من جزيرة العرب، وقد استمر هذا التغير آلافا من السنين حتى حوّل بلاد العرب أرضين غلبت عليها الطبيعة الصحراوية، وقلّت فيها الرطوبة، وغلب على أكثر بقاعها الجفاف٢.

وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر "البلايستوسين" "pleistocene" خصبة جدًّا كثيرة المياه، تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة، وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة، كالأشجار التي نجدها في الزمان


١ Montgomery, Arabia and the Bible, P., ٢١. حتى ص١٣
٢ Montgomery, Arabia and the Bible, PP., ٩٠, < The Problem of the Physical change in Arabia

<<  <  ج: ص:  >  >>