للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وذكر أن الملوك كانوا يجلسون خلف الستور حين يستمعون إلى شاعر. فروي أن "عمرو بن هند" كان يسمع الشعراء من وراء سبعة ستور١. وأن الشاعر "الحارث بن حِلِّزَة اليشكري" لما طلب قومه منه إنشاد قصيدته أمام "عمر بن هند" قال لهم: "والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور، وينضح أثري بالماء. إذا انصرفت عنه، وذلك لبرص كان به". فلما سمع قصيدته أمر برفع الستور سترًا سترًا، حتى صار مع الملك في مجلسه، وأمر أن لا ينضح أثره بالماء" "وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضئًا"٢.

ولكن العادة أن الشاعر يقف أمام الملك، الذي قد يكون جالسًا على سرير، فينشده شعره بعد أن يكون قد أستأذنه بذلك. وقد يكون في المجلس جملة شعراء، أذن لهم بالدخول عليه جملة واحدة، لينشدوا الملك شعرهم وما جاءوا به من شعر في مديحه. ويكون المجلس عامرًا بأهل الحظوة من المقربين إلى الملك ومن الشعراء الملازمين له. وكانت مجالس ملوك الحيرة، عامرة بهذه المناسبات، أكثر بكثير من مجالس الغساسنة، لغلبة النزعة الأعرابية على ملوك الحيرة وقلة تأثرهم بالحضارة، وتغلب الحياة الحضرية على الغساسنة وتأثرهم بالحياة اليومية لأهل الشأم، وبنزعة الروم في الحكم وفي آداب السلوك، حتى إنهم كانوا يتلذذون في الاستماع إلى غنائهم، ولهم قيان في قصورهم وبيوتهم يغنين لهم بغناء الروم.

وكان من عادة الأعراب الطواف حول قبة الملك مع رفع الصوت بالرجز، ليسمع الملك صوت الراجز، فإذا عرفه أو أعجبه رجزه، إذن له بالدخول. وكان الملوك يضربون قبة على أبوابهم، يقعد فيها الناس حتى يؤذن لهم٣ وقد يكون هذا الرجز مقدمة لدخول الشاعر على الملك حتى يلقي عليه ما يكون نظمه في مدحه وفي مدح آله من شعر.

وكان من عادة الملوك وسادات القوم والأشراف إنهم إذا سمعوا الشاعر، واستحسنوا شعره، طربوا حتى يظهر الطرب عليهم وأظهروا استجادتهم لشعره، وربما شربوا إذا كانوا في مجلس الشرب، وأدنو الشاعر إليهم، وأسقوه من


١ شرح المعلقات، للزوزني "١٥٤"، "صادر".
٢ شرح القصائد العشر، للتبريزي "ص٣٧٩ وما بعدها"، "معلقة عمرو بن كلثوم التَّغلبي".
٣ الخزانة "٤/ ١٥٨"، "بولاق"، "الشاهد الثامن والثمانون بعد السبعمائة".

<<  <  ج: ص:  >  >>