للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان من رواة الأعشى يحيى بنُ متى، وهو من أهل الحيرة، وكان نصرانيًّا عباديًا معمرًا١، وله راوية آخر اسمه يونس بن متى٢، وهو كما يظهر من اسمه من النصارى كذلك، وقد يكون هذا الشخص، هو الأول أي يحيى، حرَّف النساخ اسمه، فصار يونس٣.

ولما كان بعض الرواة من الكتبة، فلا استبعد أن يكون من بينهم من دوَّن شعر شاعره إلى جانب حفظه لشعره، وذلك ليرجع إليه فيما إذا خانته حافظته، أو شك في شيء منه، أو لإجراء تنقيح في شعر شاعره، وتوجد روايات تشير إلى وقوع مثل هذا التدوين، غير أننا لا نستطيع أن نسلم بتأكيدها أو أن نقوم بنفيها في الوقت الحاضر، فمثل هذه الأحكام تحتاج إلى أدلة قوية مقنعة، ولا يمكن لنا التسليم بصحة تلك الروايات أو بردها في الوقت الحاضر٤.

وقد تخصص بعض الناس برواية شعر جملة شعراء، وتخصص آخرون برواية شعر قبيلة، أو شعر جملة قبائل.

ويظهر أن أسلوب الحفظ والتسجيل في الذاكرة، كان الأسلوب الشائع بين الجاهليين في ذلك الزمن في الإبقاء على النثر أو الشعر، وقد كان هذا الأسلوب متبعًا عند غير العرب في تلك الأيام، إذ كانوا يقيمون وزنًا كبيرًا للرواية، حتى إنهم كانوا يفضلون الحفظ على القراءة عن كتاب أو صحيفة، ولا سيما بالنسبة للكتب المقدسة والكتب الدينية الأخرى وفي الأمور النابهة مثل الشعر. يرون أن في القراءة ثوابًا وأجرًا عظيمًا، وتعظيمًا لشأن المقروء. ولا أستبعد أن تكون هذه النظرة هي التي جعلت أصحاب الرسول يحفظون القرآن ويتلونه تلاوة من غير قراءة عن كتاب ولا نظر في صحيفة، يتلونه أمام الرسول وبين أنفسهم وبين الناس، ولا يقرءونه عن كتاب، مع أن منهم من كان يقرأ ويكتب وقد جمع القرآن. وكان تقدير العالم آنذاك بحفظه، لا بما يكتبه من صحف وبما يؤلفه من مؤلفات، ولهذا اشتهر كثير من العلماء بسعة علمهم، مع أنهم لم يتركوا أثرًا مكتوبًا، لأن العلم بالحفظ لا بالتدوين، وقد ينتقص من شأن العالم إذا تلا علمه عن كتاب،


١ الأغاني "٩/ ١١٢".
٢ المعرب، للجواليقي "٤٦".
٣ الشِّعْرُ والشُّعَرَاءُ "٢١٦ حاشية ١"، مصادر الشعر الجاهلي "٢٤٠ وما بعدها".
٤ بلاشير "١٠١".

<<  <  ج: ص:  >  >>