للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[شرك النذر]

الشرك في النذر هو: أن ينذر لغير الله تقرباً لذلك الغير يرجو شفاعته، أو نفعه، كالذين ينذرون للقبور تقرباً إلى أصحابها؛ ليشفعوا لهم ويقضوا حوائجهم، أو ينذرون للأموات، كأن يقول: يا سيدي البدوي! إن شفى الله مريضي فلك علي كذا وكذا من الجنيهات أو من الدراهم يقسمها على روحه أو: إن شفى الله مريضي فلك ذبيحة أذبحها أتقرب بها إليك! أو ينذر أن يصلي له، أو ينذر أن يصوم له، فالنذر عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله، قال الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:٢٩]، وقال سبحانه: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة:٢٧٠].

ومن نذر وجب عليه الوفاء، قال عليه الصلاة والسلام: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فإذا نذر الإنسان طاعة لله -سواء أكان نذراً معلقاً أم غير معلق- أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وجب عليه أن يصوم، أو نذر أن يصلي عشرين ركعة وجب عليه الوفاء، أو نذر أن يحج وجب عليه كذلك.

وهذا إذا كان نذر طاعة، أما إذا كان نذر معصية فليس له الوفاء به، مثل من نذر أن يشرب الخمر، أو يشرب الدخان، أو نذر أن يعق والديه، أو يقطع رحمه، فلا يجوز له الوفاء به، وعليه التوبة والاستغفار، وعليه مع ذلك كفارة يمين، كما جاء في بعض الأحاديث (وعليه كفارة يمين) أما إذا نذر لغير الله فهذا شرك.

وأصل النذر مكروه؛ لأنه يلزم نفسه بشيء، ويوجب على نفسه شيئاً عافاه الله منه، وقد لا يستطيع الوفاء به، وقد يشق عليه بعد ذلك، فلا ينبغي للإنسان أن ينذر، بل ينبغي للإنسان أن يفعل الطاعة بدون نذر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إياكم والنذر؛ فإنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، فالبخيل هو الذي لا يخرج شيئاً إلا إذا نذر، لكن غير البخيل يتصدق، ويصوم، ويصلي، ولو لم يوجب على نفسه شيئاً، ولأن الناذر قد يتصور أن النذر هو السبب في قضاء حاجته، وهذا غلط كبير، فليس النذر سبباً في قضاء الحاجة، فالله تعالى يقضي الحاجة، سواء نذرت أو لم تنذر، وقد لا تُقضى حاجتك، سواء نذرت أو لم تنذر.

فالنذر مكروه أو حرام، وبعض العلماء قال بأنه مكروه، لكن إذا نذر طاعة وجب الوفاء بها، وقد مدح الله الأبرار في وفائهم بالنذر، فإذا وقع النذر وكان طاعة فإنه يمدح الوفاء به، ويثنى على من وفى به، قال الله تعالى في وصف الأبرار: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:٧].

وقد ينذر الإنسان نذراً ثم يعجز بعد ذلك عن الوفاء به، فيكون وعد الله بشيء ثم لم يف بوعده، فيكون شبيهاً بالمنافقين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:٧٥ - ٧٧].

وقد يشق على الإنسان الوفاء بالنذر، ثم يذهب إلى عتبة كل عالم لعله يجد مخرجاً يخلصه من هذا النذر، فالذي ينبغي للإنسان ألا ينذر، بل يفعل الطاعة من دون نذر.

<<  <  ج: ص:  >  >>