للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم تارك الصلاة]

ومن الكفر العملي: ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً لا جحوداً لوجوبها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، فأخبر أن ترك الصلاة كفر، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، واختلف العلماء في هذا الكفر: هل هو كفر أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، أو هو كفر أصغر يوجب استحقاق الوعيد ولا يوجب الخلود في النار؟ واتفق العلماء على أنه إذا جحد وجوب الصلاة عن علم ولم يكن مثله يجهل ذلك فإنه يكفر بالاتفاق، وكذلك إذا جحد وجوب الزكاة، أو جحد وجوب الصوم، أو جحد وجوب الحج، فإنه يكفر إذا كان عالماً، أما إذا كان مثله يجهل ذلك كأن يكون في بلاد بعيدة؛ فإنه لا يكفر حتى يستتاب وتقام عليه الحجة، فإذا أقيمت عليه الحجة وأصر حكم بكفره؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك لو أنكر تحريم شيء مجمع على تحريمه وهو معلوم من الدين بالضرورة، كأن ينكر تحريم الفواحش، أو تحريم الزنا، أو الربا، أو شرب الخمر، أو تحريم السرقة، فهذا يكفر، إلا إذا كان مثله يجهل ذلك، بأن نشأ في بلاد بعيدة، أو أسلم حديثاً وهو لا يعلم الحكم، فهذا لا يحكم بكفرة حتى تقام عليه الحجة، ويبين له ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً.

وأما إذا لم يجحد وجوب الصلاة وإنما تركها كسلاً وتهاوناً؛ فهذا هو موضع الخلاف، أو ترك الزكاة بخلاً وتهاوناً، أو ترك الصوم كسلاً وتهاوناً، أو ترك الحج كسلاً وتهاوناً، فهذه الأركان الأربعة إذا تركها كسلاً وهو مؤمن بها مصدق فللعلماء فيها أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد رحمه الله: القول الأول: أنه يكفر إذا ترك واحدة من هذه الفرائض الأربع، ولو كان مقراً بوجوبها؛ لأن هذه مباني الإسلام العظيمة، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر في الصحيحين: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)، فجعل هذه الأركان الخمسة مباني الإسلام، فإذا ترك واحدة منها كفر، فهذا هو القول الأول للعلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.

القول الثاني: أنه لا يكفر بترك واحدة منها كفراً أكبر، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً.

القول الثالث: أنه يكفر بترك الصلاة فقط، وأما إذا ترك غيرها تهاوناً فلا يكفر، لكن يرفع به إلى ولاة الأمر ويعزر، وتؤخذ منه الزكاة قهراً، ويعزره الحاكم بالضرب والسجن، حتى يزكي ويصوم ويحج.

القول الرابع: أنه يكفر إذا ترك الصلاة والزكاة دون الصوم والحج، وهي رواية عن الإمام أحمد.

القول الخامس: أنه يكفر إذا ترك الصلاة وكذلك إذا ترك الزكاة وقاتل عليها الإمام، وهذا هو الأقرب عندي، فإنه إذا ترك الزكاة وقاتل عليها فإنه يكفر، والدليل على ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه والصحابة قاتلوا الذين منعوا الزكاة واعتبروهم من المرتدين؛ لأنهم منعوها وقاتلوا عليها، فإذا منع الزكاة وقاتل عليها دل ذلك على إنكاره وجحوده لها، فيكون كافراً، أما إذا منعها ولم يقاتل عليها فلا يكفر، وإنما تؤخذ منه قهراً.

فالصواب أنه لا يكفر إذا ترك الزكاة إلا إذا قاتل عليها، ولا يكفر إذا ترك الصوم أو الحج، وإنما يكون مرتكباً لكبيرة، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في المشركين: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:١١]، فعلق الأخوة في الدين على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فدل على أنه إذا لم يفعل واحدة من هذه الثلاث فلا يكف عنه، ولا يكون أخاً لنا في الدين.

فأما الزكاة فقد جاء ما يخرجها من هذا، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفح له يوم القيامة صفائح من النار، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرر تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).

ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، فدل هذا على أنه ليس بكافر، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة، إلا إذا قاتل الإمام عليها، فإن ذلك يدل على كفره وجحوده.

<<  <  ج: ص:  >  >>