للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنما يريد أن يختبرك، وإن رآك قد وقعت فيه زهد فيك، وإن رآك تذكر محاسنه ثقل عليه، فلا تبتدئ بذكره، وإن سألك عنه، فلا تطنب في الثناء عليه ولا تعيبه، امسح ذكره مسحًا وجاوزه إلى غيره" ثم نصحه بنصائح أخرى تنم عن سلوك الحارث، وقد أفادته كثيرًا. فلما دخل عليه، حسنت منزلته عنده وصار يدعوه، ثم جباه وأعطاه خمسمائة دينار وكسيّ وألطافًا وعاد إلى أهله١.

ولو صح هذا الخبر، فإنه يدل على أن أمر الغساسنة في هذا الوقت لم يكن واحدًا، وأن حكمهم كان قد تبدد وتشتت. وأن جبلة بن جبلة كان يحكم على جماعة من غسان، والحارث بن أبي شمر كان يحكم في الوقت نفسه على جماعة أخرى، وكل منهما كان يحلي نفسه بحلية الملك، ومن يدري فلعل أشخاصًا آخرين كانوا ينازعونهما الحكم أيضًا، ويحلون أنفسهم بلقب "ملك"، اللقب الحبيب الذي لم يكن يرتفع في الواقع عن درجة سيد قبيلة أو "شيخ" عشيرة في اصطلاحنا في الوقت الحاضر.

وقد ذكر أهل الأخبار اسم رجل قالوا إنه كان قائدًا من قواد "الحارث بن أبي شمر"، ودعوه بـ"النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي"، وذكروا أنه أغار على بني فزارة وبني ذبيان، فاستباحهم، وسبى سبيًا من غطفان. وأخذ "عقرب" بنت النابغة الذبياني. فلما سألها. فانتسبت إلى أبيها، منَّ عليها ثم أطلق له سبي غطفان. فلما سمع بذلك النابغة، مدحه بقصيدة٢. وسبق أن تحدثت عن "النعمان بن الجلاح الكلبي" في أثناء كلامي على الملك "النعمان بن الحارث" حين أغار قوم النابغة على أعراب "النعمان بن الحارث" بوادي أقر، وكان النابغة قد نهى قومه وحذرهم من التحرش بهم، فخالفوا رأيه، فأوقع بهم "ابن الجلاح" خسائر فادحة.

وفي ديوان حسان قصيدة، مطلعها:

إِنّي حَلَفتُ يَمينًا غَيرَ كاذِبَةٍ ... لَو كانَ لِلحارِثِ الجَفنِيِّ أَصحابُ

يذكر شراحها أن نظمها في رثاء "الحارث الجفني"، وقالوا: إن الحارث


١ الأغاني "١٤/ ٢ وما بعدها".
٢ الاشتقاق "٢/ ٣١٦"، ديوان النابغة "ص٣٢، ٤٠".

<<  <  ج: ص:  >  >>