للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقيرًا، عليه أن يقدم ما عنده لمن يأتيه من ضيف قريب أو غريب ليضيفه، إنقاذًا لحياته من قحط البادية ومن شحها. فليس في البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ مهما قيل فيها، لكنها قوارب النجاة أو جزر صغيرة في محيط واسع شاسع. لا يطمع الإنسان منها إلا في الاستراحة وإمضاء أمور سفره إلى الموضع الذي يريده، وإذا امتنع صاحب الخيمة عن أداء حق الضيافة، وعرض حياة ضيفه للخطر، وعرض حياه نفسه إلى ذلك الخطر، فلا بد أن تنزل به في يوم ما حاجة ما، ولا بد أن يقطع البادية مرارا في حياته بحثا عن رزق، فإذا بخل ولم يضيّف غيره، لم يستضفه الآخرون فيقع في ضنك قد يكون به هلاكه وهلاك من معه.

والعرف أن الضيافة ثلاثة أيام وثلاث ليال، فإذا انتهت المدة، سقط حق الضيافة من رقبة "المضيف" إلا إذا جددها، وزاد عليها. ويعبر عن منزلة الضيف عند المضيف يحمل وتعابير تعبر عن ترحيب المضيف بضيفه، مثل جملة: "بيتي بيتك"، وعلى الضيف بالطبع أن يتأدب بأدب الضيافة، فيصون حرمة بيت مضيفه، فلا يسرق منه، ولا ينظر إلى العائلة بسوء وألا يقوم بأي عمل يخل بعرف الضيافة١.

ونظرًا إلى ما للمعابد من حرمات، اعتبر الوافدون عليها لزيارتها والتقرب لأصنامها ضيوفًا لها، وعدوا الذي يعتدون عليهم خارجين عن العرف مارقين بالنسبة لمجتمعهم. فمن كان يفد إلى مكة يقال له "ضيف الله"، وقيل للحُجَّاج "ضيوف الكعبة"، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ومن وقع اعتداء عليه، يجد حتمًا من بين أهل مكة من يدافع عنه٢.

والجود، وهو السخاء صفحة أخرى من صفحات الكرم. وهو أن يمطر الرجل غيره بمعروفه، وأن يجود على غيره بما عنده٣. وقد بالغ بعضهم بجوده حتى ضرب به المثل. ومن هؤلاء حاتم الطائي. وهو "حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ بن أحزم" من قبيلة طيء.


١ Smith, Kinship, P. ٧٠.
٢ Smith, Kinship, P. ٤١, Hastings, P. ٤٢٧.
٣ اللسان، العقد الفريد "١/ ٣٣٧"، نهاية الأرب "٣/ ٢٠٨".

<<  <  ج: ص:  >  >>