للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عثر عليها في العربية الجنوبية وفي النصوص التي عثر عليها في الحبشة، وفي الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب. ويلاحظ أن الصور التي ترمز إلى القمر مما عثر عليه في تلك النصوص هي متشابهة تقريبًا، ومتقاربة في الشكل، مما يدل على أن الأسطورة الدينية التي كانت في مخيل عبدة القمر عنه كانت متشابهة ومتقاربة ومن أصل واحد. أما كلمة "قمر"، فلم ترد حتى الآن في النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا، وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن هذه التسمية متأخرة١.

ويلاحظ أن النصوص العربية الجنوبية لا تسمى القمر باسمه دائمًا في النصوص، وإنما نشير إليه بكناه وصفاته في الغالب. ويظهر أن ذلك من باب التأدب والتجمل أمام رب الأرباب. ونجد هذا التأدب في مقام الأرباب عند جميع البشر، فلا يخاطب الإنسان ربه كما يخاطب غيره من الإنس، أي باسمه المعتاد؛ لأنه الرب والإله، وهو فوق الإنسان. وهو إذا خاطبه باسمه، فإنما يفعل ذلك على سبيل التودد والتقرب والتحبب إلى الرب، فهو نوع من أدب التقرب إلى الآلهة ...

ولما كان القمر هو الأب، خاطبه المؤمنون به بـ"ودم أبم"، وبـ"أبم ودم"، أي "ود أب"، و"أب ود"، ولا غرابة في ذلك. فإذا كان القمر أبًا للآلهة، فلِمَ لا يكون إذن أبًا للإنسان عبده، وهو في حاجة شديدة إليه، حاجة العبد إلى سيده والولد إلى والده؟

ودعوه أيضًا بـ"عم"، ولِمَ لا؟ أليس العم في مقام الأب؟ ثم إن العرب لا تزال تخاطب الكبير بـ"عم" دلالة على تقديره واحترامه، فليس بغريب إن نادى المؤمنون إلههم القمر: يا عم! ليرحمهم وليبارك فيهم، إن في هذا النداء تقربًا وتواضعًا وإشعارًا بضعف السائل تجاه المخاطب٢.

والأب عند العرب كل من كان سببًا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره. ويقوم العم عندهم مقام الأب، ولذلك سمي مع الأب الأبوين٣

وقد عثر على أخشاب وأحجار حفرت عليها أسماء ود، أو جمل "ودم


١ Handbuch, I, S. ٢١٤
٢ Handbuch, I, S, ٢١٤.
٣ المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني "ص٤ وما بعدها" مادة أبا في كتاب الألف.

<<  <  ج: ص:  >  >>