للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أو أنهم كانوا ينقدونه عند التحكيم. ليقتنع الشعراء بصحة حكم الحكم، كالذي كان من أمر النابغة في سوق عكاظ، وكالذي روي من تنازع امرئ القيس مع علقمة الفحل على الشعر، وقول كل واحد منهما لصاحبه: "أنا أشعر منك"، ومن قبولهما بتحكيم أم جندب، زوج امرئ القيس بينهما. وقبول أم جندب الحكم بينهما. فذكر أنها قالت لهما: "قُوْلا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة، فأنشداها، ثم حكمت بترجيح شعر علقمة على شعر زوجها، وأظهرت لهما العوامل التي حملتها على هذا الترجيح، فغضب امرؤ القيس عليها وطلقها، فخلف عليها علقمة١. وهي قصة من هذا القصص الموضوع على امرئ القيس.

ويقتضي ذلك أن الشعراء كانوا يحفظون شعر غيرهم، فقد كان منهم من إذا قابل شاعرًا، وجادله في شعره، أنشده شعره، وبين له ما يراه فيه من عيوب. وقد رأيت كيف زعموا أن النابغة لما جاء يثرب، أراد أهلها أن يظهروا له ما في شعره من إقواء، وهو من عيوب الشعر، فأمروا قينة فغنت به، وأبانت له مواطن الإقواء، فأحس به، ويقال له إنه تركه من يومئذ.

أما استحسان العلماء لشعر شاعر، أو تخبيثه أو تسخيفة ونقده، فقد خضع عندهم لعوامل عديدة، قامت في بادئ أمرها على الذوق والمزاج، فهذا يستحسن شعرًا لورود بيت فيه أستحسنه واستعذبه على حين يري آخر أنه لا يساوي شيئًا، وليس فيه ما يدعو إلى المدح والثناء عليه، ثم على العروض، فنرى العسكري يعترض على اختيار الأصمعي لميمية المرقش، وقد سبق لابن قتيبة أن اعترض على اختيار الأصمعي القصيدة أيضًا، وقال الآمدي: إنه ليس بحاجة إلى ذكر العيوب العروضية فيها لكثرتها٢، ثم على النحو والبيان والبديع وغير ذلك من علوم الصناعة التي وضعت في الإسلام، وقد كان عليهم ملاحظة أن هذه العلوم إنما وضعت أو ثبتت في الإسلام، وأن الذوق الجاهلي يختلف عن الذوق الإسلامي، وإن


١ الشعر والشعراء "١/ ١٤٦ وما بعدها"، "علقمة بن عبدة"، الأغاني "٢١/ ٢٢٥ وما بعدها"، الموازنة "١/ ٣٧".
٢ الصناعتين "٤" غرونباوم "١١٢".

<<  <  ج: ص:  >  >>