للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

بجامع الصّابونيّة (١) يقرأ القرآن استظهارا، وكان الشّيخ منصور يحبّه محبّة كليّة، وكان في بعض الأوقات يطرقه الحال والشّوق فيخرج هائما على وجهه يدور في البراري والقفار، يدخل بيروت وصيدا، ويزور جبل لبنان، ومعه ركوته وعكّازه ومرقّعته، ويأكل من الحشيش ويشرب من عيون الأرض، وربّما كلّمه بعض الوحوش (٢)، ثمّ يعود إلى الزّاوية، وحجّ مرارا على التّجريد، ماشيا أمام الحجّاج، لا يعوّل على مركوب، ولا خيمة، ولا يطلب من أحد شيئا، إن حصل له شيء أكل وإلّا طوى، وكان كثيرا ما يرى النّبيّ صلّى الله عليه وسلم وقال له مرّة:

مرحبا مرحبا بفلان باسمه، ولم يزل على هذه الحال بعد موت الشّيخ منصور إلى أن وصل إلى شيخنا العارف بالله تعالى السّيّد محمّد العبّاسي فأخذ عليه الطّريق، ولم يزل عنده في أعلى مكانة حتّى برع في طريق القوم، وأشار إليه بالخلافة بعده فوليها، وكانت تظهر له كرامات وأحوال، وبالجملة فإنّه كان بركة الوجود (٣)، وكانت ولادته سنة ١٠٤٢. ومات ليلة الاثنين سنة ١٠٩٣ بالصّالحيّة، وكان قد أوصى أن يدفن لصيق شيخه العبّاسيّ/ بمقبرة باب الفراديس، وهيّأ له قبرا ثمّة، قبل موته بمدّة يسيرة، فدفن به، وكانت جنازته حافلة، وأسف النّاس عليه كثيرا، رحمه الله.

قلت: وخلفه في مشيخة الخلوتيّة ولده الشّيخ محمّد وسيأتي.


(١) جامع الصّابونية أنشأه أحمد بن سليمان الصّابوني سنة ٨٦٨ هـ، وجعله دار قرآن قبلي باب الجابية. «الدّارس»: (١/ ١٣)، و «خطط دمشق»: (٦٨).
(٢) هذه من المعجزات وهي لا تكون إلا للنبي- صلّى الله عليه وسلم-.
(٣) انظر التعليق على الترجمة رقم ٥، ٣٧.