للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فاسداً فهو منبع العلم ومبعث الفضائل وسلسبيل الحكم فاض على الأمم فبث فيها روح الحياة المدنية (فاهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج) ابتدأ هذا الدين بالدعوة وكان الداعي إليه سيدنا (محمد) بن عبد الله الرسول المجتبى بأمر من ربه فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وبشر وأنذر ومازال يقتحم المخاطر ويتجشم المصاعب ويكابد خطوب الأسى وضروب الأذى من الكفار حتى شج وجهه وكسرت رباعيته ولم يصده عن التبليغ شي من ذلك بل كان يدعوهم إلى الدين بأنواع من الطرق المستحسنة بالخطابات البارعة والعبارات الباهرة.

فأصحاب البصائر النافذة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها كان يدعوهم بالدلائل القطعية اليقينية وأصحاب الفطرة السليمة والخلقة الأصلية الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان كان يدعوهم بالمواعظ الحسنة والترغيب والترهيب.

وأصحاب الجدال والخصام والمعاندة كان يدعوهم بأحسن طريقة في المجادلة بالرفق واللين من غير غلظ ولا تعسف لأنه أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شبههم (أدع إلي سيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

شرف الله هذا الدين ببعثة رسوله عليه الصلاة والسلام وأيده بالمعجزات الدالة على صدق دعواه وحماه من كل ما يكون قادحاً في مقامه العالي وأمر عباده على لسان نبيه أن يتلقوا الحكام التي شرعها بقبول وإذعان ولولا إرساله لما عرف الفرق بين الطاعة والمعصية ولا تميز الشقي من السعيد أخذ رسول الله صلى الله عليه ولسم يسوس الناس حتى جمع كلمتهم ووحدها وآلف بينهم وألف وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم بما طبعه الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وساوى بينهم فيما حكم الله لا رفيع في الحق ولا وضيع فأصبح المسلمون أقوياء أشداء أعزاء رحماء.

استقام أمر المسلمين في عز ومجد وسؤدد وفخار إلى ما شاء الله أن يكون حتى وقع ما وقع في زمن عثمان رضى الله عنه وفتح للناس باب التعدي للحدود ووقعت الحروب بين المسلمين إلى أن أفضت الخلافة إلى الأمويين كل ذلك ولم يقف شيئ في سبيل الدعوة الإسلامية بل كان الناس يهرعون إلى الدخول في دين الإسلام فعلموا على توسيع دائرة مملكتهم وجردوا الجيوش وفتحوا المدن حتى وطئت حوافر خيولهم ما وراء النهر وفتحوا