للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويدخل في الربا, الربا في الطعام، وقد كان شائعًا بين أهل العمود والبوادي بصورة خاصة، إذ ليس عندهم دراهم ولا دنانير، فكانوا يأخذون الصاع الواحد مقابل صاع وزيادة، والزيادة رباه، حتى يكون قفزانًا كثيرة, فاستغل المرابون أهل الحاجة وضايقوهم بالطلب. ورد أن أحدهم في الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه, فهو ربا مثل الربا في النقد١. كما فعلوا ذلك في الدنانير والدراهم، فكان أحدهم يبيع الدينار بدينارين، والدرهم بدرهمين، وفي الذهب والفضة، فكانوا يعطون مثقالًا مقابل مثقالين أو أكثر أو أقل من المثقالين، فالزيادة هي الربا. ومعنى هذا أن الربا كان يعادل المبلغ المقترض، فالدرهم بدرهمين والدينار بدينارين، وهو ربا فاحش، استغل فيه المرابي حاجة المدين إلى المال؛ ولهذا نهي عنه في الإسلام بتحريم كل أنواع الربا في القرآن وفي الحديث, حيث ورد: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين, ولا الدرهم بالدرهمين"٢، و"الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما"٣.

أما رباهم بالذهب والفضة، فكانوا يأخذونه وزنًا فإذا أعادوه زادوا عليه وزن الربا المتفق عليه؛ ولهذا ورد في الحديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل, ولا تشفوا بعضها على بعض, ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز"٤. فمنع الرسول الزيادة، وجعل الربا قرضًا يعاد إلى صاحبه وزنًا بوزن، أي: متساويين في الوزن. كما منع الزيادة في البيع، فجعل الزيادة على ثمن البيع، الذي يدفع بأجل ربا؛ لأنه زيادة على المبلغ، واستغلال لحاجة المشتري، وهو بيع غرر.

وورد في الحديث أنهم كانوا يشترون الصاع بالصاعين أو أكثر، كأن يعرض أحدهم سلعة، فيبيعها بسلعة مثلها، ولكن بضعف وزنها أو أكثر، فقد اشترى غلام لمعمر بن عبد الله صاعًا وزيادة من شعير بصاع من قمح، فلما عاد بما اشتراه أمره سيده برده؛ لأنه سمع أن الرسول قال: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل". وورد أن بعضًا من الصحابة كانوا يشترون صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الجمع،


١ أعلام الموقعين "٢/ ١٣٨ وما بعدها"، تفسير الطبري "٣/ ٦٧".
٢ البخاري "٥/ ٤٢"، "كتاب البيوع، باب الربا".
٣ البخاري "٥/ ٤٥"، "كتاب البيوع، باب الربا".
٤ البخاري "٥/ ٤٢"، "كتاب البيوع، باب الربا".

<<  <  ج: ص:  >  >>