للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذه السورة هي من السور المكية كذلك, ولم يكن الربا قد حرم في هذا العهد كما ذكرت. فيكون الإسلام قد وضع مبدأ القرضة الحسنة، وهو القرض لله وفي سبيله، بغير زيادة، والتبرع في سبيل الله، في موضع الربا في ذلك الوقت. فلما نزل الأمر بتحريمه، جعلت القرضة الحسنة، من أعمال البر والتقرب إلى الله, وصار كل قرض يؤخذ عليه ربح ربًا محرمًا، يعاقب الله الإنسان يوم القيامة عليه, ولعن آكل الربا ومُؤكله وكاتبه وشاهديه١.

وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الآية: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ٢, أن هذا كان في الجاهلية يعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله, أو أن الرجل يقول للرجل: لأموِّلنك فيعطيه، فهذا لا يربو عند الله؛ لأنه يعطيه لغير الله ليثري ماله، أو أن الرجل يلزق بالرجل، فيخف له ويخدمه ويسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، وإنما أعطاه التماس عونه ولم يرد وجه الله، أو هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضًا، يعطي الرجلُ الرجلَ العطية ليثيبه، يريد أن يعطي أكثر منها٣.

ويذكر العلماء أن رسول الله لما ظهر على مكة وضع يومئذٍ الربا كله، وحتَّم على المرابين أخذ رءوس أموالهم من غير زيادة عليها، وذكر بعض العلماء أن التحريم نزل في ربا "بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف, وفي بني المغيرة من بني مخزوم"، أو "في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان، وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنهاهما وأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما"٤. وقيل: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا, فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فقال


١ البخاري "٥/ ٥٠"، "كتاب البيوع، باب لعن آكل الربا ومؤكله".
٢ الروم، الرقم ٣٠، الآية ٣٩.
٣ تفسير الطبري "٢١/ ٢٩ وما بعدها"، روح المعاني "٢١/ ٤٠ وما بعدها".
٤ أسباب النزول "ص٦٥".

<<  <  ج: ص:  >  >>