{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} ١. فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وثبت شهور السنة وجعل التقويم القمري هو التقويم الرسمي للمسلمين.
وروي كلام الرسول عنه على هذه الصورة: "أيها الناس، {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} . وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم. ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"٢.
فألغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وجعل التقويم القمري الخاص هو التقويم الرسمي للمسلمين.
ويظهر من القرآن الكريم أن سبب تحريم النسيء في الإسلام هو تلاعب القلامسة بالشهور، بتحريمهم شهرًا حلالًا في عام، ثم تحليلهم له في العام القابل. فأزال الإسلام ذلك التلاعب بتحريم النسيء، واتخاذ السنة سنة قمرية ذات اثني عشر شهرًا لا غير. كما صيرها الجاهليون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرًا٣. ولما كان الزرع يعتمد على المواسم الطبيعية، وعلى الشهور الشمسية، لذلك صار اعتماد المزارعين في الزرع وفي الحصاد على الشهور الشمسية، أي على السنة الشمسية. أما الأمور الدينية، مثل الحج والصيام، فالاعتماد بالطبع على الشهور القمرية٤.
واتخاذ التقويم القمري تقويمًا رسميًّا للإسلام، هو من السمات التي امتاز بها الإسلام عن الجاهلية، واعتبر من التقاط الفاصلة التي فصلت بين الجاهلية والإسلام.
وهكذا زال الكبس كما زال النسيء عن السنة القمرية وعن الشهور لتحويلها إلى سنة شمسية على نحو ما رأينا من فعل الجاهليين.
ويرى بعض المستشرقين أن النسيء والناسئ من الألفاظ المعربة عن العبرانية.
١ ابن الأثير "٢/ ١٢٦"، الواقدي "٤٣١" "طبعة ولهوزن"، ابن كثير "٢/ ٣٥٣ وما بعدها"، وقد رويت خطبة الرسول بصورة مختلفة، اختلافًا يدل على أن الرواة لم يكونوا قد دونوا النص، وإنما رووا عن ذاكرة وحفظ، فاختلفوا من ثم في رواية النص.
٢ ابن هشام "١/ ٣٥١"، "حاشية على الروض الأنف".
٣ بلوغ الأرب "٣/ ٧١"، روح المعاني "١٠/ ٩٣ وما بعدها".
٤ Caetani, I, ٣٥٦, Bubi, Muhammed, S. ٣٥٠, H. Winckler, in Arabisch Semitisch Orientallsh, ٨٥. ff, Berlin, ١٩٠١.