للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن ذلك قولك: (ما أنت إلا شرب الإبل) و (ما أنت إلا ضرب الناس) و (ما أنت إلا ضربا الناس)، وأما شرب الإبل فلا ينون، لأنه لم يشبهه بشرب الإبل ولأن الشرب ليس بفعل يقع منك على الإبل ..

وإن شئت رفعت هذا كله، فجعلت الآخر هو الأول، فجاز على سعة الكلام، من ذلك قول الخنساء:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار.

فجعلها الإقبال والإدبار، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم" (١).

وجاء نحو هذا في (المقتضب) قال: "زيد سيرا، وزيد أبدًا، قيامًا، وإنما جاز في الإضمار لأن المخاطب يعلم أن هذا لا يكون إلا بالفعل، وأن المصدر إنما يدل على فعله، فكأنك قلت: زيد يسير سيرا، وما أنت إلا تقوم قيامًا، وإن شئت قلت: زيد سير يا فتى، فهذا يجوز على وجهين:

أحدهما: أن يكون زيد صاحب سير، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف، لما يدل عليه كما قال الله عز وجل {وسئل القرية التي كنا فيها} [يوسف: ٨٢]، إنما هو أهل القرية كما قال الشاعر:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار

أي ذات إقبال وإدبار.

ويكون على أنه جعلها الإقبال والإدبار لكثرة ذلك منها" (٢).

والراجح أن هذا الضرب فيما أرى ليس من باب حذف المضاف، ولا من باب تأويل المصدر بالوصف، وإنما هو ضرب آخر من الكلام وافتنان فيه بقصد المبالغة.


(١) سيبويه ١/ ١٦٨ - ١٦٩
(٢) المقتضب ٣/ ٢٣٠

<<  <  ج: ص:  >  >>