للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحا إذ ما المرء أصبح ثاقلا (١)

ويبدو أن بين حسب وظن فرقًا، فإن (حسب) القلبي، منقول من (حسب) الحسي الذي منه الحساب، ومنه حسب (٢) الدراهم أي عدها. فإن (حسب) في قولك (حسبت محمدًا صاحبك)، فيه معنى الحساب، أي حسب ذلك وانتهى إلى ما انتهى إليه، وليس هذا الفعل مطابقا للظن تماما، فهناك فرق بين قولك (تحسبهم جميعا)، و (تظنهم جميعا) فإن قولك (تحسبهم جميعا) إنما يكون بعد مراقبة أحوالهم، فكأنك أجريت عملية حساب، فأدي حسابك إلى ذلك بخلاف قولك (أظنهم).

فالحسبان قائم على الحساب والنظر العقلي، بخلاف الظن الذي يدخل الذهن ويلابسه لادنى سبب قال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا .. الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، وقال: {وحسبوا أن لا تكون فتنة} [المائدة: ٧١]، أي كان هذا في حسابهم.

ثم انظر إلى قوله: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: ٤٢]، ولم يقل (حسب) لأنه ظن بناه على رؤيا وليس في ذلك عمل حسابي.

ثم الا ترى إنه لا يحسن أن تقوم إحدى الكلمتين مقام الأخرى أحيانا، وذلك نحو قوله تعالى {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور: ١٢]، وقوله: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحى وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: ٢٤]، وقوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: ١٥٤]، وقوله: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: ١٠]، وقوله: {قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن لا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: ٣٢].


(١) الأشموني ٢/ ٢١، التصريح ١/ ٢٤٩، ابن عقيل ١/ ١٤٩، الرضي على الكافية ٢/ ٣١٦
(٢) حسب الدراهم مفتوح العين في الماضي مضمومها في المضارع.

<<  <  ج: ص:  >  >>