للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جل وعز قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق {وَلْيَتَّقِ (١) اللَّهَ رَبَّهُ}، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن، لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: ٢٨٣]، فجاء على الشاهدين وثيقة العالِم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بَيَّنها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن باطن القرآن، لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن شهادة أحدهما مع يمين الطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين.

فإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان.

قيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تَلَفُهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي خوفًا من تلفه شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المُدَّعى عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا، لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه من غيره أقوى من بيان المُدَّعى عليه، لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما.

وقد احتج قوم في هذا بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأشعث بن قيس: "شاهداك أو يمينه" (٢)، فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين، وهذا غلط، لأنه لو كان حين قيل له: شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه، وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما كان هذا ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضًا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقُبِل ذلك منه.


(١) في الأصل: فليتق.
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم ٢٥١٥، كتاب: الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه.

<<  <  ج: ص:  >  >>