للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لما رأى إبليس قلة موافقيه على جحد الصانع؛ لكون العقول (١) شاهدة بأنه لابد للمصنوع من صانع، حَسَّن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة، وقال: ما من شيء يخلو من اجتماع الطبائع الأربعة فيه؛ فدل على أنها الفاعلة.

وجواب هذا أن نقول: اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها، ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها، وذلك يخالف طبيعتها، فدل على أنها مقهورة.

وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة، ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس بعالم عالما، ومن ليس بقادر قادرًا (٢)!

فإن قالوا: فلو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة، فعلم أنه بالطبع.

قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأما الخلل (٣) المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع أو للعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها، ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في


(١) والفطر، وهذا مضمون ميثاق الفطرة الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
(٢) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٥٧ - ٥٨)، (ص ٦٠ - ٦١)، الشامل للجويني (ص ٢٣٩ - ٢٤٢)، الداعي إلى الإسلام لابن الأنباري (ص ٢٣٩ - ٢٥٠)، مفيد العلوم للقزويني (ص ٩١).
(٣) عبر المصنف بقوله: "الخلل" تنزلًا مع الخصم، وإلا فإن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه على أفعال الله تعالى التي كلها خير وحكمة، ثم إن المصنف استدرك فبيّن الحكمة من ذلك الخلق أو التقدير، بكونه للابتلاء والردع والعقوبة، أو أن في طيه منافع ومصالح لا نعلمها، وعليه فتكون هذه الأفعال من الله تعالى كلها حكيمة، وفيها العدل والخير، وليست من الخلل في شيء. والحمد لله الذي كتب على نفسه الرحمة والإحسان. انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ٤٢٦ - ٤٣٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٧، ١٣٩).

<<  <   >  >>