للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

خطاب مَنْ عنده أنها تفهم عنه، وجعلت السنور تصيح قليلًا قليلًا، فقلت له: فهي تفهم عنك ما تخاطبها به؟ فقال: نعم. فقلت: أفتفهم أنت عنها صياحها؟ قال: لا. قلت: فأنت إذا المنسوخ وهي الإنسان (١).

[ذكر تلبيس إبليس على أمتنا فى العقائد والديانات]

دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين:

أحدهما: التقليد للآباء والأسلاف (٢).

والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره أو يعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخبيط.

• فأما الطريق الأول: فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه، والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم، وكذلك أهل الجاهلية، واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم، لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد؛ لئلا يوقع في ضلال.


(١) أخرجه القاضي أبو علي التنوخي في مشوار المحاضرة (٨/ ٧٠ - ٧١).
(٢) وهذا كان أعظم أصلٍ بني عليه دين الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]. قال العلّامة الألوسي: (أهل الجاهلية كانوا في ربقة التقليد، لا يحكّمون لهم رأيًا، ولا يشغلون فكرًا، فلذلك تاهوا في أودية الجهالة، وهكذا كل من سلك مسلكهم في أي عصرٍ كان). وقال: (لو كانت لهم أعينٌ يبصرون بها، وآذان يسمعون بها لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم وورّاثهم، قد تشابهت قلوبهم). المسائل التي خالف فيها رسول الله الجاهلية (٦٢، ٦٥). وانظر الكتاب نفسه (تحقيق السعيد) (١/ ١٥٨ - ١٧٧، ١٩٠ - ١٩١).

<<  <   >  >>