للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• ومن تلبيسه عليهم: أن يحسن لهم ازدراء الوعاظ، ويمنعهم من الحضور عندهم، فيقولون: من هؤلاء؟ هؤلاء قُصَّاص! ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقُصَّاص لا يذمون من حيث هذا الاسم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣]، وقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ [الأعراف: ١٧٦].

وإنما ذُمَّ القُصَّاص لأن الغالب منهم الاقتناع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقًا ويُوجِب وعظًا فهو ممدوح، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص صدوق (١)!

[ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص]

وقال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر ابن عمر مجلس عبيد بن عمير (٢)، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاصِّ، ثم خسّت (٣) هذه الصناعة فتعرض لها الجهال، فبَعُدَ عنهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلةَ، وتنوعت البدع في هذا الفن!

وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب "القُصَّاص والمذكرين" (٤)، إلا أنا نذكر هاهنا جملة:


(١) أخرجه أبو بكر الخلال كما في كتاب القصاص والمذكرين لابن الجوزي (ص ١٧٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٢ - ١٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥)، وابن الجوزي في كتاب القصاص والمذكرين (ص ١٩٦ رقم ٤٤).
(٣) خست: أي صارت دنيئة حقيرة. القاموس المحيط (خسّ).
(٤) في الباب العاشر، في التحذير من أقوام تشبّهوا بالمذكّرين فأحدثوا وابتدعوا حتى أوجب فعلهم إطلاق ذمّ القصاص (ص ٢٩٥ - ٣٤٢)، وقد أطال في هذا الباب وأورد فيه عدّة فصول تتعلّق بآفات القصّاص، فأجاد وأفاد.

<<  <   >  >>