للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وتلت هذه المسألة مسائل الصفات، مثل: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، فقال قوم: هي معان زائدة على الذات. ونفتها المعتزلة وقالوا: عالم لذاته قادر لذاته (١). وكان أبو الحسن الأشعري على مذهب الجبائي، ثم انفرد عنه إلى مثبتي الصفات (٢)، ثم أخذ بعض مثبتي الصفات في اعتقاد التشبيه وإثبات الانتقال في النزول.

[ذكر تلبيسه على الرافضة]

قال المصنف: وكما لبَّس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب حمل آخرين على الغلو في حبِّه؛ فزادوه على الحد:


(١) عامة المعتزلة يقولون: إن الله -تعالى- عالم بذاته، قادر بذاته، لا بعلم وقدرة .. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٥٧). وما ذكره ابن الجوزي هو قول أبي علي الجبائي، وهو ما ذكره القاضي عبد الجبار محاولًا توجيه شناعة أبي الهذيل في قوله: "إن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته" على ما ذكر الشهرستاني في ملله (١/ ٦٤)، أو في قوله: "لله علم هو هو، وقدرة هي هو" على ما ذكره الأشعري في مقالاته (١/ ٢٦٥)، قال القاضي عبد الجبار: (فعند شيخنا أبي علي الجبائي على أنه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع، التي هي كونه: قادرًا عالمًا حيًّا موجودًا لذاته .. وقال أبو الهذيل: إنه تعالى عالم بعلم هو هو، وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي، إلا أنه لم تتلخص له العبارة!) شرح الأصول الخمسة (ص ١٨٢ - ١٨٣). وانظر: مذاهب الإسلاميين، د. بدوي (ص ١٤٧ - ١٤٨).
(٢) قال ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" (ص ٣٩): (ذكر أبو القاسم حجاج بن محمد الطرابلسي من أهل طرابلس المغرب، قال: سألت أبا بكر إسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة ، عن أبي الحسن الأشعري ، فقلت له: قيل لي عنه: إنه كان معتزليًا، وإنه لما رجع عن ذلك أبقى للمعتزلة نُكتًا لم ينقضها؟ فقال لي: الأشعري شيخنا وإمامنا، ومن عليه معوَّلنا، قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إمامًا، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يومًا، فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: معاشر الناس، إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوبٍ كان عليه ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس). انظر: الفهرست لابن النديم (ص ٣٨٤ - ٣٨٥)، وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، ونص على أخذ الأشعري عن الجبائي، وأتباعه إياه في الاعتزال.

<<  <   >  >>