للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وروى أبو داود (١) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: دخل رجل المسجد فأمر النبي الناس أن يطرحوا ثيابًا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به: "خذ ثوبك"!

قال المصنف: ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل: قال: قال ابن شاذان: دخل جماعة من الصوفية على الشبلي، فأنفذ إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فردَّ الرسول وقال: يا أبا بكر، أنت تعرف الحق فهلا طلبت منه! فقال للرسول: ارجع إليه وقل له: الدنيا سِفلة أطلبها من سِفلةٍ مثلك، وأطلب الحق من الحق! فبعث إليه مائة دينار. قال ابن عقيل: إن كان أنفذ إليه المائة دينار على الافتداء من هذا الكلام القبيح وأمثاله؛ فقد أكل الشبلي الخبيث من الرِّزق وأطعمه أضيافه!

[فصل]

وقد كان لبعضهم بضاعة فأنفقها، وقال: ما أريد أن تكون ثقتي إلا بالله. وهذا قِلة فهم؛ لأنهم يظنون أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال (٢).


(١) في كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله (٢/ ٣١٢ رقم ١٦٧٥)، ورواه أيضًا الترمذي (٢/ ٣٨٥ رقم ٥١١)، والنسائي (٣/ ١٠٦ - ١٠٧)، وأحمد في المسند (٣/ ٢٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٣ - ٤١٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) من القواعد المقررة في عقيدة أهل السنة، كما بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية:
- أن من كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها، فَعَلَها مع التوكل على الله. كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح ويلبس لباس الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله، بدون أن يفعل ما أُمر به من الجهاد.
- أن من ظن أن التوكل يغني عن الأسباب المأمور بها، فهو ضال، ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرِّط مذموم.
ولهذا كان جماع هذا الأمر: أن الله خلق الأمور بأسباب، فالالتفات إلى الأسباب -بالاعتماد عليها وحدها، ظنًا أنها تؤثر بنفسها- شرك في التوحيد. والإعراض عن الأسباب أن تكون أسبابًا في وجود مسبباتها، نقص في العقل، إذ لا يتصور -عقلًا- أن يوجد مسبب أي أثر من غير سبب، والإعراض =

<<  <   >  >>