للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ قال: أردت أن أدفع الكبر وذاك أني سمعت رسول الله يقول: "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كبر" (١).

[فصل]

وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء حاجة ونحوها من التبذل كان عادة السلف القدماء، وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الملابس والأحوال، فلا أرى للعَالِم اليوم أن يخرج لشراء حاجته؛ لأن ذلك يكشف ثوب العلم عند الجهلة، وتعظيمه عندهم مشروع، ومراعاة قلوبهم في مثل هذا لا يخرج إلى الرياء، واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه، وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم.

قال الأوزاعي: كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا (٢).

وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوفا يتمازحون فدق رجل الباب، فأمرهم بالسكون والسكوت، فقالوا له: تُعَلِّمُنَا الرياء؟! فقال: إني أكره أن يُعصى الله فيكم (٣). وإنما خاف قول الجهلة: انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون! وذاك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين.


(١) أخرجه البخاري في "تاريخ الكبير" (١/ ٢١٤)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤١٦)، وقال: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: فيه سلم بن إبراهيم المصاحفي، وهو واهٍ. اهـ. وقد توبع سلم بن إبراهيم عليه، تابعه إسماعيل بن سنان، والحديث ذكره الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٠٤)، وعزاه للطبراني في "الكبير" وقال: إسناده حسن، وللمرفوع منه شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه مسلم (١/ ٩٣، رقم ٩١).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٤٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٩٣ مخطوط) بنحوه، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ١٢١).
(٣) أخرج أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩) بنحوه مطولًا.

<<  <   >  >>