للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الذي بَلَغَ بِكَ ما أرى؟! فقال: أمورٌ امتحنني اللهُ بها فلم أصبِر عَلَى البلاءِ فيها، ولم يَكُن لي بها طاقةٌ، ورُبَّ ذنبٍ استصغرهُ الإنسانُ هو عندَ اللهِ أعظمُ مِنْ ثبيرٍ (١)، وحقيقٌ وحقيقٌ بِمن تعرَّض للنظرِ الحرامِ أن تطولَ بهِ الأَسْقامُ. ثمَّ بَكَى، قلتُ: ما يُبْكِيكَ؟! قال: أخافُ أن يطولَ في النَّارِ شَقائِي. فانصرفتُ عنهُ وأنا راحِمٌ لهُ لمِا رأيتُ بهِ من سوءِ الحالِ (٢).

• قال أبو حمزَةَ: ونظرَ محمدُ بن عُبيدِ اللهِ بن الأشعثِ الدِّمَشقِي - وكانَ من خِيارِ عِبادِ الله - إلى غُلامٍ جميلٍ فغُشِي عليهِ، فحُمِلَ إلى مَنْزِلهِ واعتَادهُ السقمُ حتَّى أُقْعِدَ مِن رِجلَيهِ، وكانَ لا يقومُ عليهما زمانًا طوِيلًا، فكُنَّا نأتيهِ نعودُهُ ونسألهُ عن حالِه وأمْرهِ، وكان لا يُخبِرُنا بقِصَّتهِ ولا بسببِ مرضهِ، وكانَ الناسُ يتحدَّثونَ حديثَ نظرهِ، فبلغَ ذلكَ الغلامَ، فأتاهُ عائِدًا فهشَّ إليهِ وتحرَّكَ وضحِك في وجهِه واستبشر بِرُؤيتهِ، فما زالَ يعودُهُ حتى قامَ على رِجلَيهِ وعادَ إلى حالَتهِ، فسألهُ الغلامُ يومًا المصيرَ معَهُ إلى منْزلهِ فأبَى أن يفعل، وكلَّمَني أن أسألَهُ أنْ يَتَحوَّلَ إليهِ، فسألتهُ فأبَى، فقلتُ: وما الذي تَكرهُ من ذلكَ؟ فقال: لستُ بِمعصومٍ من البلاءِ، ولا آمَنُ منَ الفِتنَةِ، وأخافُ أن يَقعَ عليَّ من الشيطانِ محِنةٌ فَتَجرِي بيني وبينهُ معصيةٌ فأكونَ من الخاسرينَ (٣).

[فصل]

وفيهم مَن دعَتهُ نفسُهُ إلى الفاحشةِ فقَتَل نفسَهُ:


(١) ثبير: من أعظم جبال مكة، بينها وبين عرفة. انظر: معجم ما استعجم ١/ ٣٣٥ ومعجم البلدان ٢/ ٧٣.
(٢) أخرجه أبو محمد السراج في مصارع العشاق ١/ ٢٤٦ والمؤلف في ذم الهوى ص ١٣٧.
(٣) أخرج هذه الحكاية أبو محمد جعفر السراج في مصارع العشاق ١/ ٣٢ وعنه المؤلف في ذم الهوى ص ١٣٣ وابن عساكر في تاريخه ٥٤/ ١٦٨.

<<  <   >  >>