للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ذكر تلبيسه على الدهرية (١)

قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون، وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس، ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه (٢)، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لابد له من بانٍ بناه.

فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية، العجيبة، والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع!

وما أحسن ما قال بعض العرب (٣): إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير!

ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، وشفت غليلا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب: ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء، وهذه الأصابع التي قد هيئت فيها


(١) الدهرية: قوم قالوا بأن العالم قديم لم يزل، وأنه لا خالق له ولا مدبر، كما أسندت فعل الحوادث له، وقد حكى القرآن الكريم قولهم هذا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، كما قالوا بإبطال الشرائع والعبادات، وأنكروا الثواب والعقاب.
انظر: الفصل لابن حزم (١/ ٤٧)، الأصول والفروع له (ص ١٥٤)، التبصير في الدين (ص ١٤٩)، البرهان (ص ٨٨)، مفاتيح العلوم (ص ٥٥)، الحور العين للحميري (ص ١٤٣).
(٢) إن القول بأن الموجود هو ما يمكن إحساسه في الدنيا، لا يقوله عاقل؛ فإنه ما من عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره، وإما بنظره وقياسه ما لم يعلم بحسِّه. انظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٣٠ - ١٣٢)، الصفدية (١/ ١٤٧).
(٣) هذا من قول بعض الأعراب حين سُئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ ذكره الرازي في مفاتيح الغيب (٢/ ٩١)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٦١ - ٦٢).

<<  <   >  >>