للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغُل بالعلم

قال المصنِّفُ قلت: اعلم أنَّ أوَّل تلبيسِ إبليسَ على النَّاسِ صدُّهُم عن العِلم؛ لأنَّ العلمَ نورٌ، فإذا أطفأَ مصابِيحَهُم خَبَّطَهُم في الظُّلم كيفَ شاء.

وقد دخَلَ على الصُّوفِيَّة في هذا الفنِّ من أبواب:

أحدُها: أنَّه منعَ جُمهورَهُم من العِلم أصلًا، وأراهُم أنه يحتاجُ إلى تَعَبٍ وكَلَفٍ، فحسَّنَ عِندَهم الرَّاحة، فلبِسُوا المُرَقَّع وجَلَسوا علَى بِساطِ البَطَالة.

أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ السَّمَرقَندِيُّ، قال: أنا حَمَدُ بنُ أحمد الحدَّاد، قال: أنا أبو نُعيمٍ الأصبَهَانِي، قال: أنا أبو حامِدِ بنُ حيَّان، قال: نا أبو الحسَن البغداديُّ، قال: نا ابنُ صاعدٍ، قال: سمعتُ الشَّافِعِي يقول: أُسِّسَ التصوُّفُ على الكَسَل (١).

وبيانُ ما قالَهُ الشَّافِعِي رحمةُ اللهِ عليهِ: أنَّ مقصودَ النَّفسِ: إمَّا الرِّئاسَة، وإمَّا استجلابُ الدُّنيا.

والرِّئاسَةُ واستِجلابُ الدُّنيا بالعُلومِ يطولُ ويُتعِبُ البَدَن، وهل يحصل المقصودُ أو لا يحصُل؟!

والصُّوفيَّةُ قد تعجَّلوا الرئاسة -فإنهم يَرَوْنَ بِعينِ الزُّهدِ- واستجلابَ الدُّنيا، فإنَّها إليهِم سرِيعةٌ.

أخبَرنا عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الخالِق، قال: أنبأنا المبارَكُ بن عبد الجبَّار، قال: أنا أبو الفرَج الطناجيري، قال: نا أبو حفصِ بن شاهِين، قال: ومِن الصُّوفيَّةِ من ذمَّ العُلَماءَ، ورأَى أنَّ الاشتِغالَ بالعِلمِ بَطَالةٌ، وقالوا: نحن علومُنا بلا واسطَة. وإنما رأَوا بُعدَ الطَّرِيق


(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١٣٦ والمؤلف في صفة الصفوة ١/ ٢٥ وقال: روى أبو نعيم في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: التصوف مبني على الكسل ولو تصوف رجل أول النهار لم يأت الظهر إلا وهو أحمق. وقد ذكرت الكلام في التصوف ووسعت القول فيه في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس".

<<  <   >  >>