للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[فصل]

ومن الزهاد من يرى عمله ويعجبه، فلو قيل له: أنت من أوتاد الأرض! ظن ذلك حقًّا، ومنهم من يتزهد لظهور كرامته، ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه، فإذا عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمَّر في باطنه، فكأنه أجير يطلب أجر عمله، ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد ملوك، والمملوك لا يمنُّ بعمله، ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه.

وقد كان ينبغي أن يشغله خوفُهُ على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه، كما كانت رابعة تقول: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: أستغفر الله (١). وقيل لها: هل عملت عملًا ترين أنه يقبل منك؟ فقالت: إن كان فمخافتي أن يرد عليَّ (٢).

[فصل]

ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة العلم: أنهم يعملون بواقعهم ولا يلتفتون إلى قول الفقيه.

قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحًا، وهو أول من لقنني كتاب الله، وكان من عادته الإمساك عن الكلام في رمضان، فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج، فيقول في إذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، آمرًا له أن يشتري البقل، فقلت له: هذا تعتقده عبادة وهو معصية، فغضب علي، فقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام شرعية ولا يستعمل في أغراض دنيوية، وما هذا إلا بمثابة صرك


(١) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٥٠)، والمنتظم (٧/ ٣٢٨)، والذهبي في تاريخ الإسلام حوادث (١٧١ - ١٨٠) (ص ١١٨).
(٢) أورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٢٥٠) بلفظه.

<<  <   >  >>