للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الباب الثالث في التحذير من فتن إبليس ومكايده]

اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به ما يؤذيه، وأُعطي العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخلق الشيطان محرضًا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وقد بذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم.

وقد أمر الله ﷿ بالحذر منه فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وقال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)[لقمان: ٣٣] وفي القرآن من هذا كثير.

[فصل]

وينبغي أن يُعْلَمَ أن إبليس شغله التلبيس أول ما التبس الأمر عليه، فأعرض عن النص الصريح على السجود (١)، وأخذ يفاضل بين الأصول فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ


(١) قال المصنف في التفسير (٣/ ١٧٤): (قال العلماء: وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص).
وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ١٠٠٢ - ١٠٠٨) فقد بيّن فيه فساد الدليل العقلي الذي عارض به إبليس أمر ربه، ثم أبطله من أحد عشر وجهًا.

<<  <   >  >>