للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الباب الحادي عشر في ذكْرِ تلْبيس إبليلس على المبتدئين بما يشبِه الكَرامات (١)


(١) الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة فما لا يكون مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجًا وما كان مقرونًا بدعوى النبوة يكون معجزة. "فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة وكذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين ولكن كثيرًا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعها الأمر الخارق للعادة". شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٤٦.
"ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة". العقيدة الواسطية ص ١٩٨.
وقد خالف أهل السنة في هذا الباب طوائف، منها:
المعثزلة: إذ قالوا لا تخرق العادة إلا لنبي وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة والكهان وبكرامات الأولياء. "وقول المعتزلة في إنكار الكرامة ظاهر البطلان؛ فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات وقولهم لو صحت لأشبهت بالمعجزة فيؤدي إلى التباس النبي بالولي وذلك لا يجوز وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة وهذا لا يقع ولو ادعى النبوة لم يكن وليًا بل كان متنبئًا كذابًا". شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٧٥٢.
الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام: إذ أثبتوا خوارق العادات وجعلوا خرق العادة جائزًا مطلقًا وكل ما خرق لنبي من العادات يجوز أن يخرق لغيره من الصالحين بل ومن السحرة والكهان لكن الفرق أن هذه تقترن بها دعوة النبوة وهو التحدي.
والحق الذي لا مرية فيه إثبات الكرامات لأولياء الله دون غيرهم أما ما يكون للسحرة والكهان فليس من ذلك في شيء فالأولياء حصلت لهم الكرامة بالإيمان والتقوى والسحرة والكهان حصلت لهم تلك الخوارق باتباعهم ما نهى الله عنه ورسوله ومتابعتهم لأوليائهم من الشياطين.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن بعض الناس يعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله تعالى لم يكرم عبدًا بكرامةٍ أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] .. فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علمًا وقدرةً لا تضر المسلم في دينه فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله بل قد يكون عدم ذلك أنفع له فإنه إن اقترن به =

<<  <   >  >>