للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

العامي عرفانها، وقرب أمر الخطأ فيها؛ كان أصلح ما يفعله العامي التقليد فيها لمن قد سبر ونظر، إلا أن اجتهاد العامي في اختيار مَن يقلده (١).

[فصل]

• وأما الطريق الثاني: فإن إبليس كما تمكَّن من الأغبياء فورَّطهم قي التقليد وساقهم سوق البهائم، رأى خلقًا فيهم نوع ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكُّنه منهم:

° فمنهم من قبَّح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر، ثم استغوى كلًا من هؤلاء بفن:

- فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز، فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتى خرجوا عن الإسلام، وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة (٢).

- ومنهم من حسَّن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه، فيقال لهؤلاء: أبالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا: نعم، كابروا؛ لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا، إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف، وإن قالوا: بغير الحواس؛ نقضوا قولهم.

- ومنهم من نفره إبليس عن التقليد وحسَّن له الخوض في علوم الكلام، والنظر في أوضاع الفلاسفة؛ ليخرج -بزعمه- عن غمار العوام.


(١) أي: تقليد من يعلم أنه مصيب، كما ورد في كلام شيخ الإسلام السابق.
وقال الإمام ابن عبد البرّ: (إن العامة لابدّ لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبيّن موقع الحجة، ولا تصل -لعدم الفهم- إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة. ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧] الأنبياء: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٩). وانظر: مجمع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٤).
(٢) انظر: (ص ١٧٤).

<<  <   >  >>