للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد تنوعت أحوال المتكلمين، وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد!

ولم يسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزًا، ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلًا ثم يرد الصحيح عليلًا، فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض فيه (١)، حتى قال الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام (٢). قال: وإذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له (٣). وقال: وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (٤)!


(١) يؤيد ذلك ما ورد عن الخطابي في كتابه "الغنية عن الكلام وأهله" قال: (اعلم أن الأئمة الماضين، والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزًا عنه، ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وكان في زمانهم هذه الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله به من توفيقهم، وشرح به صدورهم من نور معرفته). بيان تأسيس الجهمية (١/ ٢٥٣). وانظر: درء التعارض (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، صون المنطق للسيوطي (١/ ١٣٩ - ١٤٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص ١٨٢)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٣٤ رقم ٦٦١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٦ رقم ٣٠٠).
(٣) رواه ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤١ رقم ١٧٩٣) من طريق يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي به بلفظه. وأخرجه الهروي في ذمّ الكلام (ص ٢٥٣) من طريق يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي بلفظ: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى والشيء غير المشيء، فاشهد عليه بالزندقة.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦)، وأبو الفضل المقرئ في ذمّ الكلام (ص ٩٨)، والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٢)، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص ٧٨)، وابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤١ رقم ١٧٩٤)، والهروي في ذمّ الكلام (ص ٢٥٢) من طرق عن الشافعي به بلفظه.

<<  <   >  >>