فهذا أعدل الأمور، فإن نقص منه قليلًا لم يضر، فإن زاد النقصان أضعف القوة وضيّق مجاري الطعام.
[فصل]
واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شئانهم ومبتدئتهم، ومن أضر الأشياء على الشباب الجوع؛ فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضًا، فأما الشباب فلا صبر لهم على الجوع، وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة، فلذلك يجود هضمه، ويكثر تحلل بدنه، فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الكبير إلى زيادة زيت، فإذا صابر الشاب الجوع وبنيته في أول النشوء قمع نشوء نفسه، وكان كمن يعرقب أصول الحيطان، ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ الفضول المجتمعة في البدن، فتغذيه بالأخلاط فيفسد الجسم والذهن، وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل!
[فصل]
قال المصنف: قد كره العلماء التقلل الذي يضعف البدن:
° أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أبنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أبنا إبراهيم بن جعفر قال أبنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر قال: أبنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أبنا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجبلي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له عقبة بن مكرم: هؤلاء الذين يأكلون قليلًا ويقللون من مطعمهم؟ فقال: ما يعجبني؛ سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فَعَلَ قومٌ هذا فقطعهم عن الفرض (١).
(١) ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).