للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده، فقال له: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك عاصمًا أخي. قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذ، ولبس العباءة فَغَمَّ أهله، وحزن ولده. فقال: عليَّ عاصمًا! فلما حضر سُرَّ في وجهه وقال: أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها؟! أنت والله أهون على الله من ذلك، فوالله لابتذالك نِعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالك إياها بالمقال. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الخشن. فتنفس الصعداء، ثم قال: ويحك يا عاصم! إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام؛ لئلا يتّبغ بالفقير فقره. قال أبو بكر بن الأنباري: العنى: لئلا يزيد ويغلو، يقال: تَبَيَّغَ به الدم (١)، إذا زاد وجاوز الحد (٢).

[فصل]

قال المصنف: فإن قال قائل: تجويد اللباس هوًى للنفس وقد أُمرنا بمجاهدتها، وتزيُّن للخلق وقد أُمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق.

فالجواب: أنه ليس كل ما تهواه النفس يُذمُّ، ولا كل التزين للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرِّياء في باب الدين، فإن الإنسان يُحبُّ أن يُرى جميلًا وذلك حظ النفس لا يلام فيه، ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويُسوِّي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يُكرهُ ولا يُذمُّ.


(١) ويقال: تبوغ به الدم: أي غلبه وقهره. وانظر: القاموس المحيط (بيغ)، اللسان (بوغ، بيغ)، أما كلام ابن الأنباري، فإني لم أقف عليه بعد البحث.
(٢) لم أقف على تخريجه.

<<  <   >  >>