من اعتقد أركان الدين تقليدًا من غير معرفة بأدلّتها، وفيه حالتان: الحالة الأولى: أن يعتقد جواز ورود الشُّبهة على إيمانه فتفسده، فهذا كافر. الحالة الثانية: أن لا يعتقد جواز ذلك. ففيه خلاف: أ - أنه مؤمن، وإن كان عاصيًا بترك النظر والاستدلال، وإن مات على ذلك فهو تحت المشيئة. ب - القول الآخر: أنه بذلك الاعتقاد خرج من الكفر، غير أنه لا يستحق اسم المؤمن حتى يعرف بعض أدلة حدوث العالم، وتوحيد صانعه، وصحة النبوة. وهذا القول الثاني هو مذهب جمهور الأشاعرة، وخالفهم الغزالي إذا صحّح إيمان المقلّد. انظر أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٤ - ٢٥٥)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (٨)، الأربعين في أصول الدين له (ص ٢٠). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم، من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد، حتى على العامة والنساء، حتى يوجبه في المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمّة، قالوا: لأن العلم بها واجب، ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص. وأمَّا جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يُكلَّفُ العلمَ بها! وأيضًا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص، بل بطرق أخرى من اضطرار، وكشف، وتقليد من يعلم أنَّه مصيب، وغير ذلك). مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٢). وانظر: مجموعة الرسائل المنيرية (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٤). وقال الإمام ابن الصَّلاح في معرِض كلامه عن حديث ضمام بن ثعلبة الذي رواه البخاري في كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث (١/ ١٤٨ رقم ٦٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإيمان (١/ ٤١ رقم ١٢) عن أنس، وفيه قال ضمام: يا محمد: أتانا رسولك فزعم لنا أنّك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: "صدق"، ثم قال ﷺ في آخر الحديث: "لئن صدق ليدخلن الجنة". قال ابن الصلاح: (وفي هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أن العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنه يُكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شكّ وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة). صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ١٤٢. قلتُ: وخلافًا كذلك للأشاعرة. انظر: الإنصاف للباقلاني (ص ٣٣)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٤ - ٢٥٥)، ومحصل أفكار المتقدمين للرازي (ص ٦١).