للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في طلَبِ العِلم، فقصَّرُوا الثِّيابَ ورَقَّعوا الجِبَاب، وحمَلوا الرِّكاءَ وأظهروا الزُّهدَ (١).

والثاني: أنهُ قَنَّعَ قومًا باليَسِيرِ منهُ، فأفاتَهُم الفضلَ الكَثيرَ في كثرتِه، فاقتَنَعوا بأطرافِ الأحاديث، وأوهَمهُم أنَّ علوَّ الإسنادِ والجلوسَ للتَّحدِيثِ كلَّه رياسة ودُنيا، وأنَّ للنَّفس في ذلك لذَّةً!

وكشفُ هذا التَّلبيسِ: أنه ما مِن مقامٍ عالٍ إلَّا ولهُ فضِيلةٌ، وفيهِ مخُاطَرةٌ، فإنَّ الإمارةَ والقَضاءَ والفَتوى كلَّه مخُاطرةٌ، وللنَّفسِ فيهِ لذَّةٌ! ولكِن فضِيلةٌ عظِيمة، والشَّوك في جِوارِ الورد، فينبغِي أن تُطلَبَ الفضائِلُ، ويُتَّقى ما فِي ضِمنِها مِن الآفات.

فأمَّا ما فِي الطَّبعِ من حُبِّ الرِّياسة، فإنه إنَّما وُضِع لِتُجْتَلَبَ هذهِ الفضيلةُ، كما وُضِعَ حبُّ النكاحِ ليحصُلَ الولدُ، وبالعلم يَتَقوَّمُ قصدُ العالِم، كما قال يزيدُ بن هارون: طلَبنا العلمَ لغيرِ اللهُ، فأبَى اللهُ أن يكون إلَّا له (٢).

ومعناهُ: أنَّه دلَّنا على الإخلاصِ، ومَن طَالَبَ نفسَه بقطعِ ما في طبعِه لم يمكِّنه.

والثالث: أنَّه أوهَم قومًا منهُم أنَّ المقصودَ العملُ، وما فهموا أنَّ التَّشاغُلَ بالعلم أو فَى الأعمال، ثمَّ إنَّ العالِم وإن قَصُر سيرُ عمَلِه فإنَّه علَى الجادَّةِ، والعابِدُ بغيرِ علمٍ علَى غَير الطريق.


(١) اشتهر ابن شاهين بتفسير كبير له لعله ذكره فيه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١١/ ٢٥٦ قال: أخبرنا معمر قال: كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله. ومن طريقه الإمام أحمد في الأسامي والكنى ص ٦١ وذكره الذهبي في السير ٧/ ١٧.
قال الذهبي معلقًا على أثر معمر: يطلبه أولًا والحامل له حب العلم وحب إزالة الجهل عنه ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه ولا صدق النية فإذا علم حاسب نفسه وخاف من وبال قصده فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم. انظر: السير ٧/ ١٧.

<<  <   >  >>