للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

• وحَكى أبو عبدِ الله الحسينُ بن محمدٍ الدامَغَاني، قال: كان بِبِلادِ فارسَ صوفيٌّ كبيرٌ فابتُلي بِحدَثٍ، فلم يملِكْ نفسَهُ أن دعتهُ إلى الفُجورِ، فراقبَ الله تعالى، ثم ندِمَ على هذهِ الِهمَّةِ، وكانَ منزلُهُ على مكانٍ عالٍ، ووراءَ منزلِهِ بحرٌ منَ الماءِ، فلمَّا أخَذَتْهُ النَّدامةُ صعِدَ السطحَ ورَمَى نفسَهُ إلى الماءِ، وتلا قولَه تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. فغرِقَ في الماءِ (١).

قال المصنِّفُ : قلت: فانظروا إلى إبليسَ كيفَ درَّجَ هذا المسكينَ مِن رُؤَيَةِ الأمرَدِ إلى إدْمانِ النظرِ إلى أنْ مكَّنَ المحبةَ مِن قَلبهِ إلى أنْ حرَّضهُ على الفاحشَةِ، فلمَّا رأى استِعْصَامَهُ حسَّنَ لهُ بالجهلِ قتْلَ نفسِهِ، ولعلَّهُ همَّ بالفاحِشةِ ولم يَعزِم، والهمَّةُ معفوٌّ عنها؛ لقولِ رسولِ الله : "عُفِيَ لأمَّتي عمَّا حدَّثت بهِ أنْفُسَها" (٢).

ثم قد يُذَمُّ على هِمَّتِهِ، والندمُ توبةٌ (٣)، فأراه إبليسُ أن من تمامِ النَّدَمِ قتلَ النَّفسِ، كما فعلَ بنو إسرائيل، أولئكَ أمِروا بذلك بقولِهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ونحن نُهِينا عنهُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأتى بِكَبيرةٍ عظيمةٍ! (٤).


(١) ذكر هذة القصة المؤلف في ذم الهوى ص ٤٩٥.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٥٢٨) ورقم (٥٢٦٩) ورقم (٦٦٦٤) ومسلم رقم (١٢٧) وأبو داود رقم (٢٢٠٩) والترمذي رقم (١١٨٣) والنسائي رقم ٦/ ١٥٦ وابن ماجه رقم (٢٠٤٠) والإمام أحمد في المسند ٢/ ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١ وغيرهم.
(٣) وقد جاء عن رسول الله أنه قال: "الندم توبة". رواه عدد من الصحابة والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٧٦، ٤٢٢ أو ٦/ ٣٧ وحكم عليه محققه بالصحة وأخرجه ابن ماجه ٢/ ١٤٢٠ رقم (٤٢٥٢) والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٧١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه اللفظة.
وصححه البُوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ٢٤٧ وحسنه الحافظ في الفتح ١٣/ ٤٧١.
(٤) ولعل أرجح ما قيل في تعريف الكبيرة هو: أنها كل ذنب فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة بنار أو لعن أو غضب أو نحو ذلك.

<<  <   >  >>