للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

° ومنها: حفظ ناموسه ورياسته، وأن مخالطة الناس تذهب ذلك، وهو يريد أن تبقى طراوةُ ذكره.

° وربما كان مقصوده: ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم.

فترى هذا يحب أن يزار ولا يزور، ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده، فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز، ويقول أصحابه: اعذروا الشيخ؛ فهذه عادته! لا كانت عادة تخالف الشريعة!

ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتري له صبر على الجوع؛ لئلا يخرج بنفسه لشراء ذلك، فيضيع جاهه بمشيه بين العوام، ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة، ولكن في باطنه حفظ الناموس، وقد كان رسول الله يخرج إلى السوق فيشتري حاجته ويحملها بنفسه (١)، وكان أبو بكر يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري (٢).

وأخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا عاصم بن الحسن، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: نا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن المثنى، قال: نا إسماعيل بن سنان، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: زعم عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب،


(١) ورد عن النبي أحاديث كثيرة تدور حول هذا المعنى الذي ذكره المؤلف، وهو خدمة النبي لنفسه وقضاء حوائجه بنفسه الشريفة تواضعًا منه ، ومن ذلك: ما رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ١٩٠ رقم ٥٤١) والترمذي في الشمائل (ص ٢٧٠ رقم ٣٢٥) وأحمد في المسند (٦/ ٢٥٦) من طريق عمرة عن عائشة أنها سُئلت ما كان عمل رسول الله في بيته؟ قالت: "ما كان إلا بشرًا من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه"، وليس عند البخاري "ويخدم نفسه".
(٢) وكان ذلك قبل الخلافة وبعدها بستة أشهر، ثم تفرّغ بعد ذلك للخلافة. والخبر أخرجه مطولًا ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٨٥ - ١٨٦) ومن طريقه الطبري في تاريخه (٣/ ٤٣٢) وابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق (١٣/ ١٠٢).

<<  <   >  >>